الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
مدخلٌ
يتكرّر اليوم قولٌ مفاده أنّ "المسيحيّة التي نعرفها لم يؤسّسها يسوع، وإنما بولس". ويصل هذا الكلام أحيانًا إلى المسيحيّين من خلال حلقات ومناظرات يغلب عليها الهجوم المتبادل بين الأديان أكثر من البحث التاريخيّ الهادئ. لذلك لا أكتب هذه السلسلة للردّ على أحد أو للدخول في سجالٍ دينيّ، وإنما أخاطب أوّلًا المسيحيّ الذي يريد أن يعرف إيمانه وتاريخه معرفة جادّة، حتى يستطيع حين يواجه مثل هذه الأسئلة أن يميّز بين ما تقوله المصادر فعلًا وما صار مع الزمن شعارًا جدليًّا.
والسؤال نفسه مشروع: ماذا كان موجودًا قبل بولس؟ ماذا تسلّم هو نفسه من الجماعة المسيحيّة السابقة عليه؟ وما الذي أضافه إلى انتشار المسيحيّة وتفكيرها اللاهوتيّ؟ وكيف كانت علاقته ببطرس ويعقوب وسائر الرسل؟ سنحاول الإجابة انطلاقًا من نصوص العهد الجديد ومن البحث التاريخيّ الحديث، مع الاستفادة بوجه خاصّ من أعمال باحثين كاثوليك مثل ريموند براون وجوزف فيتسماير وجيروم مورفي-أوكونور.
مسيحيّون قبل بولس
لنبدأ بسؤال بسيط: إذا كان بولس هو الذي أسّس المسيحيّة، فمن كان أولئك الذين كان يضطهدهم قبل أن يصبح واحدًا منهم؟ يقول بولس نفسه: «فقد سمعتم بسيرتي فيما مضى في الديانة اليهوديّة، وكيف كنت أضطهد كنيسة الله بإفراط وأدمّرها» (غل ١: ١٣)، ويكتب أيضًا: «لأنّي أصغر الرسل، ولست أهلًا لأن أُدعى رسولًا، لأنّي اضطهدت كنيسة الله» (١ كو ١٥: ٩). إذًا كانت «كنيسة الله» موجودة قبل دخول بولس إليها. وتؤكّد أعمال الرسل الصورة نفسها: قبل اهتداء بولس نجد جماعة أورشليم، وبطرس والرسل، واختيار السبعة، واستشهاد استفانوس، وانتشار المؤمنين خارج أورشليم. صحيح أنّ تسمية «مسيحيّين» ظهرت لاحقًا في أنطاكية (أع ١١: ٢٦)، لكن الجماعة التي آمنت بيسوع وقيامته كانت موجودة قبل بولس بوضوح.
والأهمّ أنّ بولس نفسه لا يدّعي أنّه اخترع جوهر هذا الإيمان، بل يقول صراحةً إنّه «تسلّمه». ففي ١ كو ١٥: ٣–٥ يكتب: «فإنّي سلّمت إليكم في المقام الأوّل ما تسلّمته أنا أيضًا: أنّ المسيح مات من أجل خطايانا وفقًا للكتب، وأنّه دُفن، وأنّه قام في اليوم الثالث وفقًا للكتب، وأنّه تراءى لكيفا ثم للاثني عشر». ويرى عدد كبير من علماء العهد الجديد أنّ بولس ينقل هنا صيغة إيمانيّة أقدم من الرسالة نفسها، تعود إلى السنوات الأولى من الجماعة المسيحيّة. أي إنّ الإيمان بموت المسيح وقيامته وظهوراته لم يبدأ برسائل بولس، وإنما وصل إليه من تقليد سابق عليه. والأمر نفسه يظهر في حديثه عن العشاء الأخير: «فإنّي تسلّمت من الربّ ما سلّمت إليكم» (١ كو ١١: ٢٣).
ثم يخبرنا بولس أنّه صعد إلى أورشليم والتقى قادة الجماعة الذين سبقوه. ففي غل ١: ١٨–١٩ يذكر لقاءه بكيفا ويعقوب «أخي الربّ»، وفي غل ٢ يتحدّث عن يعقوب وكيفا ويوحنّا الذين كانوا «معتبرين أعمدة»، وكيف أعطوه وبرنابا «يمين الشركة». وهذه المعطيات تجعل القول إنّ بولس «أسّس المسيحيّة» بالمعنى التاريخيّ الدقيق صعبًا جدًّا: فهو دخل جماعة كانت قائمة قبله، وكان قد اضطهدها، ثم التقى قادتها، واعترف بأنّه تسلّم تقاليد إيمانيّة سابقة عليه.
هذا لا يقلّل شيئًا من أهمّيّة بولس. فقد كان له دور بالغ في انتشار المسيحيّة بين الأمم، وفي التفكير في علاقة الإيمان بالمسيح بالشريعة، وفي صياغة لاهوت الصليب والقيامة والنعمة والكنيسة. لكن الاعتراف بدوره الاستثنائيّ شيء، والقول إنّه أنشأ المسيحيّة من الصفر شيء آخر. والسؤال الأدقّ الذي ينبغي أن ننتقل إليه الآن هو: ماذا تسلّم بولس من الكنيسة السابقة عليه، وما الذي طوّره هو؟
يتبع…
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
مراجع:
رايموند براون، مدخلٌ إلي العهد الجديد، دار الأكوينيّ، القاهرة ٢٠٢١.
Joseph A. Fitzmyer, First Corinthians: A New Translation with Introduction and Commentary, Anchor Yale Bible 32 (New Haven: Yale University Press, 2008).
Jerome Murphy-O’Connor, Paul: A Critical Life (Oxford: Clarendon Press, 1996).





