حنان فكري
مذبحة لا تصرخ فيها الضحايا، ولا تركض هاربة، ولا تترك خلفها دماء على الأسفلت مذبحة هادئة جدًا.. تبدأ بمنشار تقف الشجر مكانها، لا تعترض على توسعة طريق، ولا تطلب حارة مرورية، ولا تنافس أحدًا على رصيف فقط تمد فروعها فوق رؤوسنا، تمنحنا ظلاً مجانيًا، وتلتقط بعضًا من السموم التى نلقيها فى الهواء كل يوم، ثم يأتى من يقرر أن وجودها عقبة، وفى دقائق.. تسقط.
شجرة احتاجت سنوات طويلة حتى تنمو وتزهر وتمتد جذورها فى الأرض، يمكن أن تختفى فى ساعات بحجة التطوير.
لا أحد يعترض على تطوير الطرق، فالمدن تحتاج إلى طرق أفضل، وكبارٍ أكثر كفاءة، ومحاور تخفف الزحام. لكن السؤال الذى يزعجنى هو: لماذا يبدو أحيانًا أن أول ما نفكر فى إزالته عندما نطور الطريق هو الشجرة؟ لماذا لا تكون الشجرة جزءًا من التصميم أصلاً؟ الأغرب أن وقائع المشهد تجرى بينما نتحدث فى الوقت نفسه عن تخضير القاهرة، وعن زيادة المساحات الخضراء، وعن زراعة ملايين الأشجار.
يعنى.. نقطع شجرة كبيرة عمرها عشرات السنين، ثم نحتفل بزراعة شتلة صغيرة! كأننا نبيع بيتًا ونحتفل بشراء طوبة. والمشكلة ليست فى زراعة الأشجار الجديدة، بل فى الاعتقاد أن الشتلة تستطيع أن تعوض الشجرة التى اختفت بالأمس. يا سادة، الشجرة المعمرة ليست مجرد جذع وأفرع يمكن استبدالها بواحدة أخرى من المشتل. إنها سنوات من الظل، والامتصاص، والتبريد، والحياة التى تراكمت حولها.
أما الأرقام فأشد قسوة من المشهد ذاته. إذ تثبت الإحصاءات الرسمية أن مصر فقدت أكثر من أربعة ملايين متر مربع من الغطاء الشجرى خلال عشر سنوات، بينها نحو ١١٩ ألف متر مربع فى القاهرة وحدها. ثم نعود فنقول: سنخضر القاهرة، جميل جدًا لكن التخضير لا ينبغى أن يبدأ بعد أن ننتهى من التصحير والتجريف ولا يصح أن نحسب نجاح أى مبادرة بعدد الشتلات التى زرعناها، ونتناسى كم شجرة عتيقة أبقينا عليها. فالشجرة التى نجت لا تحتاج إلى حفل افتتاح، هى فقط تحتاج أن نتركها فى مكانها.
إن بدائل القطع ليست خيالاً هناك من يطرح نقل الأشجار المعمرة كاملة بجذورها وإعادة زراعتها فى أماكن أخرى، إذا كان وجودها يتعارض فعلاً مع مشروع لا يمكن تعديله. فلماذا يكون المنشار هو الحل الأول؟ لماذا لا يكون آخر الحلول؟ أنا لا أطالب بأن تتوقف المدن عن التطور. أنا فقط أطالب بأن نتذكر أن المدينة ليست خرسانة وأسفلتًا وحديدًا. فالحداثة ليست مدينة بلا ظلال. هذا فقط يؤدى إلى مزيد من السخونة والاحترار.
والغريب أننا نعيش أصلاً فى زمن لا يحتاج إلى مزيد من الحرارة والأمم المتحدة تصرخ يوميًا وتناشد الدول بحماية الغطاء الأخضر لزيادة قدرة الأرض على امتصاص الغازات التى تتسبب فى ارتفاع درجات الحرارة، فالهواء يختنق، والتغير المناخى لم يعد عنوانًا فى نشرات الأخبار. ومع ذلك، نتعامل مع الأشجار وكأنها قطعة ديكور يمكن إزالتها حين تعوق الرؤية.
ياسادة الأشجار ليست زينة. إنها جزء من البنية التحتية للمدن، بنية لا تلزمها ميزانية ضخمة كل عام، ولا تحتاج إلى افتتاح رسمى، ولا ترسل لنا فاتورة بعد أن تمنحنا الظل.
وما يحدث يدفعنا للتساؤل ما الدور الذى تلعبه وزارة البيئة التى تم دمجها مع وزارة التنمية المحلية، فى منع تلك المهزلة من الاستمرار؟ مع العلم أن المحليات هى المسئول الأول عن تنفيذ قطع الأشجار، وبالرغم من ذلك فوجئنا عقب موجة الغضب التى انتابت المواطنين بسبب مذابح الأشجار المتفرقة فى أنحاء مصر، بوزيرة التنمية المحلية تخرج لتحذر من قطع الأشجار فأين كنت يا سيادة الوزيرة حينما تم اتخاذ قرار قطع الأشجار؟ أم أن ملف البيئة لم يدرج بعد على قائمة ملفات التنمية المحلية؟ هل قدمتى تصميمات بديلة عن تجريف الغطاء الأخضر للمدن؟ هل تم حصر الخسارة وتحديد المسئول عنها لمحاسبته؟ هل قام أحد من مساعديك بتسجيل أين ذهبت الأشجار التى قطعت، وماذا حدث لأخشابها ربما تكون الإجابة هى البداية الحقيقية لإنقاذ ما تبقى من رئة المدن التى تم تجريدها من الخضار.
للأسف خرجت الوزيرة بتصريح تؤكد فيه أن غرامة قطع الأشجار لا تقل عن مائة جنيه، بالرغم من أن دول أخرى تبلغ فيها الغرامة ما يعادل آلاف الدولارات، مائة جنيه لا تشترى كيلو فراخ، مائة جنيه واقطع شجرة وبع أخشابها، واجمع أشلاء الشجر لتصنع منه فحمًا يلوث الهواء والسماء وانشر سمومًا تفنى البشرية، ثم وقع غرامة لا تقل عن مائة جنيه.
والأعجب من ذلك أن الوزيرة أصدرت كتابًا دوريًا من أيام بخصوص قطع الأشجار، وكأنها اكتشفت فجأة أن الأشجار ليست مستباحة، يا سيادة الوزيرة القانون حاضر فوق رفوفنا منذ سنوات، فقط ينتظر من يوقظه! وبه عقوبات تجرم قطع الأشجار، وتضع للفاعل الحبس والغرامة التى تفوق بكثير المائة جنيه، فضلاً عن إلزامه بدفع قيمة ما قطعه أو أتلفه، لذلك يبقى السؤال: أين كنت وأين كان تطبيق القانون عند تنفيذ مذابح الأشجار فى مختلف مدن مصر؟
نقلا عن وطنى





