خالد منتصر
احذروا الذين لا يشكّون، الذين يملكون إجابة لكل سؤال، ومفتاحاً لكل باب، وتفسيراً لكل غموض، احذروا من يقولون لك إن الحقيقة انتهت عند أقدامهم، وإن الكون أغلق ملف التحقيق، وإن مهمتك الوحيدة أن تسمع وتطيع وتردد، فالحضارة لم يصنعها هؤلاء، بل صنعها ذلك الإنسان المزعج الذى رفع إصبعه وسط المطمئنين وقال: وماذا لو كنا مخطئين؟

كان اليقين يقول إن الأرض مركز الكون، فجاء الشك ونظر إلى السماء، وكان اليقين يقول إن الأمراض تأتى من قوى غامضة، فجاء الشك ووضع قطرة تحت الميكروسكوب، وكان اليقين يقول إن القارات ثابتة، وإن قرحة المعدة يصنعها القلق، فجاء شخص يسأل: هل أنتم متأكدون؟

ومن هذا السؤال الصغير بدأت ثورات كبيرة، فرنسيس بيكون لخّص المأساة والمخرج منها: «إذا بدأ الإنسان باليقين، انتهى إلى الشك؛ وإذا بدأ بالشك، انتهى إلى اليقين»، أما برتراند راسل فقد التقط المفارقة الأكثر قسوة: مشكلة العالم أن الحمقى والمتعصبين شديدو الثقة بأنفسهم، بينما الحكماء ممتلئون بالشكوك، الشك هنا ليس أن تنكر الشمس وهى ساطعة.

ولا أن تعتبر كل حقيقة مؤامرة، هذا ليس شكاً، بل عبث، الشك الحقيقى هو أن تمنح عقلك حق الاعتراض، وأن تسأل الدليل عن بطاقته الشخصية قبل أن تسمح له بالدخول إلى رأسك، ريتشارد فاينمان كان يفضّل أسئلة بلا إجابات على إجابات لا يجوز السؤال عنها.

وكارل بوبر جعل قابلية الخطأ فى قلب التفكير العلمى؛ فالعلم لا يقول لك: «صدقنى لأننى لا أخطئ»، بل يقول: اختبرنى، وحاول أن تثبت أننى مخطئ، ولذلك أخطر الناس ليس الجاهل الذى يقول «لا أعرف». فهذا يمكن تعليمه، الأخطر هو الذى يقول «أنا أعرف الحقيقة كاملة»، ثم يغلق الباب أمام كل سؤال، الجهل قد يكون فراغاً تستطيع أن تملأه.

أما اليقين المتعصب فهو جدار عليك أولاً أن تهدمه، الحضارة لم تبدأ بإجابة، بل بعلامة استفهام. وكلما ارتفعت أصوات الذين يقولون «ممنوع السؤال»، تذكّر أن أول خطوة إلى الظلام هى إطفاء الشك.

لا تخف ممن يسألك: هل أنت متأكد؟

خف ممن يقول لك: أنا متأكد.. ولا تسألنى لماذا.
نقلا عن الوطن