ماجد سوس
أصبح من السهل جدًا في زمن وسائل التواصل الاجتماعي أن يرى الإنسان صورة واحدة، ثم يجلس خلف شاشة هاتفه ليصدر حكمًا كاملًا على الكنيسة وكهنتها وخدامها، وكأن تاريخ الكنيسة يمكن اختزاله في صورة، وكأن قدسية الهيكل تُقاس فقط بمن دخل إليه ومن خرج منه.
 
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الغيرة على الكنيسة والغضب باسم الكنيسة. الغيرة الحقيقية تحتاج إلى معرفة، والإيمان يحتاج إلى حكمة، والقداسة لا يحرسها الصراخ، بل يحرسها الحق.
 
لذلك، قبل أن نقول إن السماح لمسؤول مسلم بدخول هيكل كنيسة أثرية هو «تفريط في المقدسات»، علينا أن نقرأ التاريخ أولًا. فالمؤرخ القبطي أبو المكارم يروي أن الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله زار أحد الأديرة المصرية، ثم دخل إلى الهيكل نفسه، وذكر أنه «مشى مستقيمًا حتى دخل الهيكل»، وسأل الراهب عن موضع الكاهن والشماس، بل وقف في موضع الكاهن وطلب من الراهب أن يقف أمامه في موضع الشماس.
 
قد نختلف اليوم مع هذا التصرف من الناحية الكنسية، وهذا حق مشروع، لكن هل نستطيع أن نقول إن الكنيسة في ذلك العصر كانت قد «باعت مقدساتها»؟ وهل كان أقباط ذلك الزمان أقل إيمانًا أو أقل غيرة على كنيستهم؟
 
بالطبع لا.
 
والتاريخ الإسلامي نفسه يقدم لنا صورة أخرى جديرة بالتأمل. فعندما دخل عمر بن الخطاب كنيسة القيامة في القدس، وعُرض عليه أن يصلي داخلها، امتنع خشية أن يأتي المسلمون من بعده فيجعلوا صلاته ذريعة للاستيلاء عليها. والرواية ظلت تُذكر باعتبارها مثالًا على احترام مكان العبادة وعدم تحويل وجود الحاكم داخله إلى حق في امتلاكه.
 
إذن، التاريخ أكثر تعقيدًا من أحكامنا السريعة؛ فهو يعرف الزيارة، ويعرف الدخول، ويعرف الاحترام، ويعرف أيضًا الامتناع عندما تقتضي الحكمة ذلك.
 
والكنيسة نفسها تعرف قدسية الهيكل والمذبح وتعرف معنى التدشين واللوح المقدس المدشن الموجود في المذبح، ولها ترتيباتها عندما تفرض أعمال البناء أو الترميم دخول أشخاص إلى موضع المذبح. ولذلك فالموضوع ليس بهذه البساطة التي يحاول البعض اختزالها فيها.
 
ومن حق أي قبطي أن يقول: «أنا شخصيًا لا أرى دخول غير المسيحي إلى الهيكل أمرًا مناسبًا من الناحية الكنسية». هذا رأي يُحترم ويُناقش. لكن هناك فرقًا هائلًا بين النقد الهادئ وبين اتهام الكنيسة بأنها فرطت في مقدساتها أو خانت أمانتها.
 
من يرى مخالفة كنسية، فليأتِ بالنص الكنسي الذي يرى أنه خُولف، وليشرح أين وقع الخطأ، وليدع الشتائم والتخوين جانبًا. فالكنيسة ليست فوق النقاش، لكنها ليست مباحة للتشهير.
 
والأهم من ذلك كله أننا نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا سؤالًا روحيًا قبل أن نسأل عن الباب الذي دخل منه الآخرون: ماذا يدخل نحن إلى الهيكل في قلوبنا؟ هل ندخله بمحبة أم بخصومة؟ بتواضع أم بكبرياء؟ بصلاة أم برغبة في الانتصار؟
 
فالقداسة ليست مجرد باب مغلق، والكنيسة ليست مجرد جدران، والمذبح ليس مجرد حجر. نحن نحفظ المقدسات لأننا نؤمن بحضور الله، لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ندافع عن قداسة المكان بقلب فقد سلامه.
 
لقد عبرت الكنيسة القبطية قرونًا من الحكام والاضطهادات والتغيرات السياسية، وبقيت. تغيرت دول، وسقطت دول، وبقي المذبح، وبقيت الصلاة، وبقي اسم المسيح يُسبح به من جيل إلى جيل. فهل يعقل أن نتصور أن الكنيسة التي حفظها الله طوال هذه القرون ستنهار أمام صورة؟
 
قد نختلف حول التصرف، وقد نطلب تفسيرًا، وقد نرى أن هناك ما كان يمكن أن يتم بصورة أفضل. لكن لا ينبغي أن نفقد روح المسيح ونحن ندافع عن بيت المسيح.
لأن الغيرة التي بلا معرفة قد تتحول إلى ظلم، والغيرة التي بلا محبة قد تتحول إلى قسوة، والغيرة التي بلا تواضع قد تجعل الإنسان قاضيًا على الجميع.
 
قبل أن تحاكموا الكنيسة، اقرأوا التاريخ.
وقبل أن تتهموا، اسألوا.
وقبل أن تغضبوا، صلوا.
وقبل أن تنشروا، تحققوا.
فالتاريخ لا يُمحى لأن بعض الوقائع لا تعجبنا، والإيمان لا يحتاج إلى تخوين، والكنيسة لا تحتاج إلى صراخ.
 
دافعوا عن الكنيسة بالحق، لا بالمبالغة؛ وبالمعرفة، لا بالانفعال؛ وبالمحبة، لا بالتخوين.
فمن يريد أن يحرس مذبح المسيح، فليبدأ أولًا بحراسة المذبح الذي في قلبه.
فالقداسة لا يحرسها ارتفاع أصواتنا، وإنما أمانة قلوبنا.