بقلم: الأب أغسطينوس بالميلاد: ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس...
في فجر السنين:
نولد جميعاً كأنفاسٍ بيضاء تنحدر من سماء الطهر. ننظر إلى الأفق البعيد فتبدو لنا الحياة كقمة جبل مقدسة، ينهمر منها نبعٌ من النور الخالص.
في تلك البدايات الغضة، تجلس البراءة والحكمة حول مهادنا وتهمس في مسامعنا: "أيها المسافرون الصغار، الأرض ممر والروح مقر.
امشوا بنعال الزهد، واحملوا مصابيح الأمانة، واصنعوا من قلوبكم خبزاً للمساكين، ولا تبيعوا النور الأخروي بذهب فانٍ".
القلوب العارية والراكضة:
كنا نركض بقلوب عارية، يبذل كل منا عرقه، ونبضه، وأجمل سنوات عمره في سبيل تلك الكلمات الطاهرة. كنا نحسب أن كل مَن يرتدي ثوب النور قد اغتسل بماء الطهر، وأن كل لسان يلهج بالفضيلة هو قلب ينبض بالحق. كنا نظن أن كل مسافر معنا يبحث عن نفس الصدق والنقاء.
التوغل في الوادي الفسيح:
لكن، عندما توغلنا في الوادي الفسيح، ودارت بنا فصول الحياة على مدار أكثر من ستين سنة من السير، وزيادة الخبرات، انقشع الضباب الصافي واستيقظنا على الحقيقة العارية.
اكتشفنا أننا لسنا في "المدينة الفاضلة"، وأن الوادي يخفي خلف نقائه الظاهري سوقاً صاخبة للأقنعة والذمم؛ وعندما صرخنا مستنكرين زيف العالم، أتتنا أصوات الرياح العاقلة لتقول: "هو الطين يا ولدي.. فيه من طهر المطر، وفيه من عكارة الأرض، فلا تنتظر من الوادي أن يكون سماءً".
صعوبة الحياة:
إن أصعب ما في هذه الحياة ليس أن تواجه شراً واضحاً، بل أن تواجه شراً يرتدي مسوح الملائكة، ويتحدث بلغة السماء ليحقق مآرب الأرض بعقلية معاصرة ومدروسة.
وعندما تفتح عينيك اليوم على اتساع هذا الوجود، ترى كيف تتوزع قوافل البشر في دروب هذا الوادي.
ترى أصحاب الدهاء المتلوّن ومكر الظلال:
أولئك الذين أتقنوا «فن الأقنعة» وحوّلوا الدبلوماسية إلى خنجر ناعم.
هم لا يمشون مستقيمين بل يتسللون كالظلال خلف الشجر الكثيف ليتفادوا حرارة الشمس، ويغيرون أشكالهم ليقربوا من منابع الضوء الكبرى وصناع القرار بذكاء شديد. يجيدون الانحناء، ويمسكون بأخطاء الكبار وزلاتهم ليضمنوا سكوتهم ودعمهم، ويتسلقون فوق الأغصان العالية لتولي المناصب والبعثات البعيدة. هؤلاء تحولوا مع الأيام إلى «حيتان كاسرة» تكبر برصيد العلاقات والمال, بينما أرواحهم خاوية كقبور مبيّضة.
وتري أربابَ الغدرِ والسراب:
أولئك الذين يصنعون في الصحراء واحاتٍ من الوهم والدعاية البراقة، وقد أتقنوا هندسة المظاهر، وبنوا حول أنفسهم قلاعاً من الخدمات، وجمعوا حشوداً من المعجبين يقدسون أسماءهم ويرفعونهم فوق الأعناق. وكل هذا يحدث في ظلال أشجارٍ هرمةٍ ضيقة الأفق؛ قادةٍ بلا رؤية للمستقبل وبلا سعيٍ لبناء غد، يعيشون فقط على ريع أمجادٍ غابرةٍ صنعها قديماً أبطالٌ مجاهدون، وأوفياء مخلصون بذلوا ذواتهم وتجردوا من أنانيتهم. أما هؤلاء القائمون اليوم، فلا قوة لهم على حسمِ أمرٍ أو اتخاذِ قرار، وإن نطقوا بقرارٍ جاء مرتبكاً ومربكاً لمن حولهم، ليديروا العجلة بالخوف والتردد. هؤلاء ومن على شاكلتهم، تلمع تيجانهم في المحافل، بينما بواطنهم مظلمةٌ تخفي غدراً ينهش الأبرياء بمجرد أن تنطفئ الأضواء.
وترى الأشجار التي انحنت للتراب خوفاً:
أولئك الذين داهمهم رعب الأيام وعرفوا أنهم لن يبلغوا عروش الصدارة، فالتفتوا بكل مكرهم لتأمين الطين؛ راحوا يلتهمون العقارات، ويكدسون الأموال في الخزائن البنكية، ظناً منهم أن الأسوار تحميهم من غدر الزمن، فصارت قلوبهم حجراً من حجر بيوتهم.
وترى المبعثرين في منافي البريق:
أغصاناً اقتلعها الكبارُ من جذورها وأرسلوها بعيداً بحجة المهمات الكبرى لكي تصفو لهم الساحة. وهناك، في أودية الغربة الواسعة، حيث تلمع الأضواء وتسحر العيون لغات العالم والبهجة، غرقت تلك الأغصان في زحام المتعة ونسيت نبعها الأول وعطش البدايات.
ولكن.. انظر بعيداً وراء هذا الغبار الكثيف، واشكر كل هذا الزيف؛ فلولا الظلام الدامس لما عرفنا قيمة الشموع الصغيرة.
هناك، في زوايا الوادي البعيدة:
ترى سنابل النور الحقيقية وأشجار السنديان الصامتة. أولئك هم "بسطاء الأرض وأولاد الله الصادقون". يسيرون في موكب الحياة بصمت لا تسمعه الأبواق، يطعمون الفقير بكسرة خبز مغموسة بالدمع، ويداوون جراح المنكسرين دون أن ينتظروا جزاءً أو شكراً.
لم تصنع لهم الدعاية قطاراً من المعجبين، ولم يركعوا لسلطان منافق ليخطفوا منصباً، ولم يملكوا حسابات في البنوك. يعيشون غرباء في عالم الزيف، لكن عطر صمتهم يملأ الكون بقداسة حقيقية، ويمضون بسلام متمسكين بالنور الأول.
الخلاصة:
لقد أدار العالم المعاصر ظهره للنقاء، وصارت المعابد تُدار أحياناً بعقلية الشركات، لكن العزاء الوحيد هو أننا لم نلوّث أيدينا بطينهم، وأننا عشنا، وسمعنا، وشهدنا.. وبقينا غرباء صادقين في وادي الظلال. وكل روح تختار في النهاية طريقها ومصيرها.
بقلم: الأب أغسطينوس بالميلاد: ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس...





