بقلم: أيمن فايز عطية
ليست كل حقيقة تبدأ كذبة، وليست كل أسطورة تبدأ بخداع.
أحيانًا تبدأ بحاجة.
لهذا لا أجد السؤال الأكثر أهمية: هل رسم القديس لوقا العذراء؟ بل سؤالًا أكثر إزعاجًا: لماذا احتاج التاريخ المسيحي، في لحظة ما، إلى أن يكون القديس لوقا رسّامًا؟

فالقديس لوقا الذي نعرفه من العهد الجديد لم يصل إلينا رسّامًا. لا يقول إنجيله ذلك، ولا سفر أعمال الرسل، ولا تضع القرون المسيحية الأولى بين أيدينا إِيقونة نستطيع أن نعيدها تاريخيًا وماديًا إلى يده.

ومع ذلك، سيظهر القديس لوقا بعد قرون حاملًا الفرشاة، ثم ستتكاثر الإِيقونات التي تحمل اسمه، حتى انتقل الأمر بهدوء من «ينسب التقليد» إلى عبارة أكثر حسمًا: «رسمها القديس لوقا».

ولعل أكثر ما يكشف القصة هو الزمن نفسه.
فالخبر الشهير الذي نُسب إلى مؤرخ القرن السادس ثيودوروس القارئ، وفيه أن الإمبراطورة إيدوكيا أرسلت من أورشليم إلى بولخيريا صورة للعذراء رسمها القديس لوقا، لا نملكه في أصل كتابه؛ بل وصل في تقليد مخطوط لاحق لا تتفق نسخه على وجود هذا الخبر. لذلك لا يستطيع هذا النص وحده أن يحمل الرواية بأمان إلى القرن السادس.

أما الشهادة الباقية الأكثر ثباتًا فتظهر في مطلع القرن الثامن مع أندراوس الكريتي، حيث نجد القديس لوقا منسوبًا إليه رسم المسيح ووالدته.
بين القديس لوقا في القرن الأول والقديس لوقا الرسّام الذي يظهر أمامنا بوضوح في النصوص، إذن، مسافة من القرون.
لا تكفي هذه المسافة لنقول إن شيئًا لم يحدث؛ فصمت التاريخ ليس برهانًا على العدم. لكنها تكفي لكي نفرق بين ما يمكن إثباته تاريخيًا، وما حمله التقليد إلينا باعتباره ذاكرة.

واللافت أن الفن المسيحي لم ينتظر ظهور رواية القديس لوقا لكي يبدأ. كانت الصورة موجودة، وكان الفنان يرسم، وكانت الوجوه المقدسة قد دخلت بالفعل المجال البصري المسيحي.
إذن لم تكن الحاجة إلى القديس لوقا لكي توجد الصورة.

كانت الحاجة أعمق:
لكي يكون للصورة ماضٍ يسبق يد الفنان الذي يرسمها.
وهنا يلتقي في تاريخ الإِيقونة شخصان لا نراهما عادة معًا: الفنان الحقيقي والفنان المثالي.
الفنان الحقيقي هو ذلك المجهول الذي وقف أمام الخشب فعلًا. أعدَّ سطحه، ووضع ألوانه، ورسم وجهًا للمسيح أو للعذراء لم يره بعينيه. وقد تكون يده عظيمة، لكن مهارتها لا تستطيع وحدها أن تجيب عن السؤال الكامن خلف الصورة: من أين جاءت هذه الملامح؟
أما الفنان المثالي فليس بالضرورة الرجل الذي نستطيع أن نعثر على لوحته في مختبر أو متحف. إنه الفنان الذي تحتاج إليه الذاكرة لكي تمنح الصورة سلطة الأصل.

وهنا يصبح اختيار القديس لوقا مفهومًا.
إنجيلي، وطبيب، وقريب من الدائرة الرسولية، وصاحب الإنجيل الأكثر ثراءً بحضور العذراء وطفولة المسيح. لقد كان، في المخيلة المسيحية، أقرب إلى الشاهد منه إلى مجرد الصانع.

وبذلك حدث تحول بالغ الدقة: لم يعد الفنان اللاحق يبدو كمن يخترع وجهًا؛ بل كمن يتسلّم وجهًا.
لم تمنح الرواية القديس لوقا فرشاة فقط.

منحت الإِيقونة ذاكرة.
ولم تكن هذه الحاجة غريبة عن عالمها. ففي القرون البيزنطية المبكرة أخذت أخبار الصور ذات الأصل الاستثنائي تزداد حضورًا، ومنها الصور التي قيل إنها لم تُصنع بيد بشر. وكان وراء ذلك سؤال شديد الحساسية: كيف تكتسب الصورة صدقيتها وقربها من الأصل؟
كانت هناك إجابتان تبدوان متعارضتين، لكنهما تلتقيان في الغاية.

صورة لا تحتاج إلى الثقة بفنان لأن يدًا بشرية لم تصنعها.
وصورة تستحق الثقة بفنان لأن الذي رسمها هو القديس لوقا.
في الأولى غابت اليد البشرية لكي تزداد سلطة الصورة، وفي الثانية ارتفعت اليد البشرية إلى مقام الشاهد.
ثم جاء الصراع حول الإِيقونات في القرنين الثامن والتاسع، فتحولت قيمة الرواية مرة أخرى. فالقديس لوقا الرسّام لم يعد يجيب فقط عن سؤال: «من أين جاءت الملامح؟»، بل صار وجوده نفسه قادرًا على وصل ممارسة الصورة بالعصر الرسولي.

لم يكن الصراع حول الإِيقونات بالضرورة هو الذي أنشأ الرواية؛ لكنه منحها سببًا أقوى للبقاء.
ثم جاءت القسطنطينية، فخرجت الرواية من الكتب إلى فضاء المدينة.
ومع صعود مكانة إِيقونة الهادية ومزار الهوديغون، ولا سيما منذ القرن الحادي عشر، ودخول الإِيقونة في المواكب وفي ذاكرة حماية العاصمة، أصبحت صلتها بالقديس لوقا تحمل وزنًا أكبر من مجرد اسم رسّام.

فالصورة التي يقال إن شاهدًا رسوليًا رسمها ليست كغيرها.
والمزار الذي يحفظها لا يحفظ لوحة فحسب.
والمدينة التي تطوف بها لا تحمل مجرد أثر قديم.
كل واحد منها يقترب، عبر الرواية، خطوة من الأصل.
ولا يحتاج ذلك إلى مؤامرة، ولا إلى شخص نجلسه على مقعد الاتهام.
فالذاكرة أكثر تعقيدًا من ذلك.

يكفي أن تكون للرواية وظيفة حتى تجد من يحفظها؛ فإذا تعددت وظائفها، تعددت أسباب بقائها. احتاج إليها المؤمن بوصفها وجهًا موثوقًا، والفنان بوصفها نموذجًا سابقًا لخياله، والمدافع عن الإِيقونة بوصفها صلة بالعصر الرسولي، والمزار بما تضيفه إلى مكانته، والمدينة بما تمنحه لها من حضور مقدس.
وهكذا لم تكن قوة الرواية في دليل واحد ظل يتكرر، بل في المعاني التي تراكمت حولها.
وبمرور القرون حدث شيء لا يكاد يُرى.

اختفت المسافة بين:
«ينسب التقليد إلى القديس لوقا»
و: «رسمها القديس لوقا».
جملة صغيرة فقدت كلمتين، لكنها كسبت يقينًا كاملًا.
ولعل هنا معنى العبارة القديمة: ليس كل ما يُقال يُسمع، وليس كل ما يُسمع يُشاهد.

أما الفن فيضيف إليها خبرته الخاصة:
وليس كل ما تشاهده العين يخبرك وحده بتاريخ ما تراه.
فالعمل الفني يحمل ذاكرته في جسده أيضًا: في الخشب، وطبقة التحضير، والصبغات، وأثر الفرشاة، والتقنية، وما تراكم فوقه من إعادة رسم وترميم. ويحمل النص ذاكرته في مخطوطاته، وفي ما يظهر في نسخة ويغيب عن أخرى.
وهنا يستطيع المؤرخ ومؤرخ الفن والمرمم أن يقتربوا من الإِيقونة من غير أن ينتقص أحد منهم من قداستها.
فالخشب لا يناقش العقيدة؛ إنه يخبرنا بعمره.

والصبغة لا تعرف التقليد؛ إنها تنتمي إلى زمن وتقنية.
والمخطوط لا يهدم الذاكرة؛ إنه يكشف لنا كيف وصلت إلينا.
فإذا تبين أن إِيقونة مكرمة ليست من يد القديس لوقا، لا تسقط العذراء من ذاكرة الكنيسة. ولا يفقد القديس لوقا شيئًا من قداسته، ولا تفقد الإِيقونة معناها، ولا يصبح إيمان الأجيال التي صلّت أمامها وهمًا.
كل ما حدث أن التاريخ أعاد الاسم إلى مكانه الصحيح.
وربما هنا تكمن قيمة هذه الحكاية اليوم.

ليس لأنها تكشف لنا فقط متى ظهر القديس لوقا رسّامًا، بل لأنها تكشف شيئًا عن الطريقة التي تصنع بها الذاكرة يقينها.
تبدأ بحاجة. تجد الرواية التي تجيب عنها. ثم تأتي القرون فتضيف إليها معنى بعد معنى، حتى يختفي السؤال الذي سبق الإجابة.
وعندئذ يصبح عمل المؤرخ شبيهًا بعمل المرمم الجيد: لا يمحو الزمن عن اللوحة، ولا يرسم فوقها ما يحب أن يراه؛ بل يزيل بحذر ما تراكم عليها، حتى يستطيع الأصل أن يتكلم بقدر ما بقي منه.

ولهذا لا أخشى أن نسأل عن تاريخ الإِيقونة وخامتها وترميمها، ولا عن أول نص نسبها إلى القديس لوقا.
فالقديس لوقا لا يحتاج إلى فرشاة كي يبقى قديسًا، والعذراء لا تحتاج إلى لوحة من القرن الأول لكي تبقى في قلب الكنيسة.
وليس كل ما ورثناه كذبًا، ولكن ليس كل ما ورثناه تاريخًا.

وبين الاثنين تقع أمانتنا تجاه الماضي، ومسؤوليتنا أمام المستقبل:
ألا نهدم ذاكرةً لأننا اكتشفنا كيف تكوّنت، وألا نورّث يقينًا أكبر من الدليل لمجرد أننا ورثناه.