محمد نبيل المصرى
الدين، في جوهره، ليس أداةً لمراقبة الناس، ولا وسيلةً لفرض الوصاية على حياتهم، ولا مبررًا للتدخل في اختياراتهم الخاصة. الدين علاقة عميقة بين الإنسان وذاته، وبين الإنسان وربه؛ غايتها الأولى أن يرتقي الإنسان من الداخل، وأن يزكي نفسه، ويهذب أخلاقه، ويكتشف مواطن الخير والضعف في أعماقه، ثم ينعكس هذا الارتقاء على طريقة تعامله مع الآخرين.

واللافت في الخطاب القرآني أن المسؤولية الدينية تُنسب كثيرًا إلى النفس، وكأن القرآن يعيد الإنسان باستمرار إلى مساحته التي يملكها فعلًا: نفسه وسلوكه واختياراته.

يقول تعالى:
﴿فَمَنْ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ  وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾
(الإسراء: 15)

ويقول:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾
(فصلت: 46)

ويقول:
﴿وَمَنْ تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ﴾
(فاطر: 18)

ويقول:
﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾
(العنكبوت: 6)

ويقول:
﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾
(النمل: 40)

هذه الآيات ترسم تصورًا واضحًا: الهداية تزكية للنفس، والعمل الصالح يعود أثره على صاحبه، والانحراف يتحمل الإنسان مسؤوليته، والجهاد الحقيقي للنفس، والشكر للنفس.

بل إن القرآن يضع حدًا مهمًا لفكرة تحويل التدين إلى مراقبة للآخرين حين يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ  لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
(المائدة: 105)

فالمؤمن مطالب أولًا بأن ينظر إلى نفسه: هل استقام؟ هل ظلم؟ هل كذب؟ هل آذى؟ هل أدى الأمانة؟ هل أصبح أكثر رحمة وعدلًا وصدقًا؟

وهنا تكمن المفارقة: كلما كان الإنسان أكثر انشغالًا بإصلاح نفسه، قلَّ احتياجه إلى قمع الآخرين ومراقبتهم.

أما تحويل الدين إلى وسيلة للسيطرة الاجتماعية، وإلى قائمة من الأوامر التي تُستخدم لإدارة حياة الآخرين، وإلى معيار يُحاكم به الإنسان الناس باستمرار، فقد يحول الدين من تجربة روحية وأخلاقية إلى سلطة اجتماعية.

والدين في معناه الأعمق لا يحتاج إلى شرطي يقف على باب ضمير الإنسان.

فالإنسان يمكن أن يخفي أفعاله عن الناس، لكنه لا يستطيع أن يختبئ من نفسه. ولذلك فإن أعظم معركة دينية ليست مع الآخرين، وإنما مع الكذب والخوف والأنانية والغضب والحسد والظلم داخل الإنسان نفسه.

التزكية تبدأ من الداخل.

أن تصبح أكثر صدقًا، لا أكثر قدرة على اتهام الكاذبين.
أن تصبح أكثر رحمة، لا أكثر قسوة على المختلفين.
أن تصبح أكثر عدلًا، لا أكثر انشغالًا بإدانة الآخرين.
أن تصبح أكثر تواضعًا، لا أكثر شعورًا بأنك تملك الحقيقة وحدك.

ولهذا فإن قيمة التدين الحقيقية لا تُقاس بعدد المرات التي يتدخل فيها الإنسان في حياة غيره، وإنما بما أحدثه الدين في أخلاقه هو.

إذا كان الدين يجعلك أكثر صدقًا ورحمةً وعدلًا وأمانةً واحترامًا لكرامة الإنسان، فقد وصل إلى الغاية الأخلاقية التي ينبغي أن يصل إليها.

أما إذا جعل الإنسان منشغلًا بعورات الآخرين، ومهووسًا بمراقبة اختياراتهم، ومستعدًا لقمعهم باسم الفضيلة، بينما يهمل ظلم نفسه وظلمه لمن حوله، فهنا يصبح السؤال ضروريًا: هل نحن نمارس الدين، أم نستخدم الدين لممارسة السلطة على الآخرين؟

الدين تجربة شخصية قبل أن يكون هوية اجتماعية؛ ومساحة للبحث عن المعنى قبل أن يكون أداة للحكم على البشر.

ليس معنى ذلك أن الأخلاق لا شأن لها بالمجتمع، أو أن الإنسان لا يتحمل مسؤولية أفعاله تجاه الآخرين. فالظلم والاعتداء وإيذاء الناس مسائل اجتماعية وأخلاقية وقانونية. لكن الفرق كبير بين حماية حقوق الناس من الأذى وبين تحويل الدين إلى ذريعة للتدخل في ضمائرهم وحياتهم الخاصة واختياراتهم التي لا تؤذي أحدًا.

في النهاية، ربما كان السؤال الأكثر صدقًا الذي ينبغي أن يطرحه المتدين على نفسه ليس:

“كيف أجعل الآخرين يعيشون كما أريد؟”

بل:
“ماذا فعل الدين بي أنا؟ هل جعلني إنسانًا أفضل؟”


فالهداية — كما يقول القرآن — للنفس، والتزكية للنفس، والعمل الصالح للنفس، والمسؤولية على النفس.

وإذا أصلح الإنسان نفسه، انعكس صلاحه تلقائيًا على من حوله.

أما أن نجعل الدين سيفًا فوق رقاب الناس، فنحن نبتعد عن جوهر التزكية ونحوّل علاقة الإنسان الروحية بنفسه وربه إلى مشروع للسيطرة على الآخرين.

الدين الذي لا يبدأ بإصلاح النفس، ينتهي غالبًا بمحاولة إصلاح الآخرين بالقوة. أما الدين الذي يبدأ من الداخل، فيصنع إنسانًا لا يحتاج إلى قمع أحد كي يثبت أنه صالح.