الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
إليكم مقالًا كتبه الفيلسوف اليهوديّ هانس يوناس يلخّص أهمّ أفكاره التي نشرها في كتابه  الشهير «مفهوم الله بعد أوشڤيتس: صوتٌ يهوديّ» (Der Gottesbegriff nach Auschwitz. Eine jüdische Stimme).

معسكر أوشڤيتس لم يكن معسكرًا واحدًا، وإنّما أكبر مجمّع لمعسكرات الاعتقال والعمل القسريّ والإبادة أقامه النظام النازيّ في بولندا المحتلّة. نُقل إليه ما لا يقلّ عن ١٫٣ مليون إنسان، وقُتل فيه أكثر من ١٫١ مليون، كان نحو مليون منهم من اليهود. ولهذا صار اسم «أوشڤيتس» يتجاوز المكان نفسه ليصبح رمزًا للمحرقة النازيّة وللسؤال الذي فرضته على الضمير الإنسانيّ: كيف أمكن أن يحدث كلّ هذا؟ 

ومن هنا اكتسب تعبير «بعد أوشڤيتس» معنى فلسفيًّا ولاهوتيًّا خاصًّا. فالسؤال المؤلم هو كيف يمكن أن نتحدّث عن الله بعد أوشڤيتس؟ وهل يمكن أن نظلّ نستخدم التصوّرات القديمة نفسها عن قدرة الله وعنايته وحكمه للتاريخ بعد أن حدث ما حدث؟ هانس يوناس لم يكن وحده في طرح هذا السؤال، وصار تعبير «اللاهوت بعد أوشڤيتس» واحدًا من القضايا الكبرى في الفكر اليهوديّ والمسيحيّ في القرن العشرين.

هانس يوناس (١٩٠٣–١٩٩٣) فيلسوفٌ يهوديّ ألمانيّ، درس الفلسفة عند إدموند هوسرل ومارتن هايدجر، ودرس أيضًا عند رودولف بولتمان (اللوثريّ)، ثم غادر ألمانيا بعد صعود النازيّة، واستقرّ لاحقًا في الولايات المتحدة، حيث درّس سنوات طويلة في «المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعيّة» في نيويورك. وقد عُرف بأعماله في الغنوصيّة، وفلسفة الحياة، والأخلاق والمسؤوليّة في عصر التكنولوجيا. 

من المهمّ الإشارة إلى أنّ هذا النصّ ليس تمرينًا فلسفيًّا باردًا، فأمّ يوناس نفسه قُتلت في أوشڤيتس! وعندما حصل عام ١٩٨٤ على جائزة الدكتور ليوبولد لوكاس من جامعة توبنجن، علم أنّ زوجة الحاخام لوكاس كانت قد نُقلت هي الأخرى إلى أوشڤيتس وقُتلت هناك. عندئذ، كما يقول، فرض موضوع المحاضرة نفسه عليه، وشعر أنّه مدين لأولئك الذين صرخوا إلى «إله صامت» بمحاولة ما للجواب! 

ألقى يوناس المحاضرة بالألمانيّة عام ١٩٨٤، ونُشرتْ في العام نفسه ضمن كتاب Reflexionen finsterer Zeit، ثم صدرت لاحقًا مستقلةً بعنوان Der Gottesbegriff nach Auschwitz.

السؤال الذي يبدأ منه يوناس شديد القسوة: أمام أوشڤيتس، لم تعد تفسيرات من نوع «العقاب»، أو «الامتحان»، أو «الشهادة» قادرةً على تفسير ما حدث؛ لأنّ آلة الإبادة لم تفرّق بين مؤمن وغير مؤمن، ولا بين بطل وجبان، ولا حتى بين رجل وطفل رضيع. ومن هنا يطرح سؤاله:

«وقد سمح الله بحدوث ذلك. فأيُّ إله يستطيع أن يسمح بحدوثه؟»

جواب يوناس سيكون راديكاليًّا جدًا: إذا أردنا أن نحافظ على صلاح الله بعد أوشڤيتس، فقد نضطر إلى إعادة التفكير في معنى «قدرة الله» نفسها.
وهنا يبدأ المقال.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ