الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
«أُبقي أذنًا مصغيةً إلى الإنجيل، والأخرى إلى الشعب».
بهذه العبارة يمكن تلخيص حياة واحدٍ من أبرز أساقفة أميركا اللاتينيّة في القرن العشرين: الطوباوي إنريكي أنجِلِلّي (Enrique Angelelli). لحسن الحظ، القدّيس أوسكار روميرو معروف في العالم الناطق بالعربيّة، ولكن أنجِلِلّي معروف بصورة أقلّ. لذا ألخّص هنا سطورًا تعرّفنا إليه.
وُلد أنجِلِلّي في قرطبة بالأرجنتين عام ١٩٢٣، في أسرةٍ من المهاجرين الإيطاليّين، وسيم كاهنًا عام ١٩٤٩. درس في روما، وحصل على الإجازة في القانون الكنسيّ من الجامعة الغريغوريّة، ثم عاد إلى الأرجنتين حيث عمل وسط الشباب والعمّال وسكّان الأحياء الفقيرة. وفي عام ١٩٦٠ عُيّن أسقفًا مساعدًا في قرطبة، وشارك في المجمع الڤاتيكانيّ الثاني، قبل أن يعيّنه البابا بولس السادس أسقفًا على لا ريوخا عام ١٩٦٨. لم يفهم أنجِلِلّي تجديد المجمع الڤاتيكانيّ الثاني على أنّه تعديلٌ في الكتب والطقوس وحدها. لقد كان السؤال عنده: ماذا يعني الإنجيل للفلاح الذي لا يمتلك أرضًا؟ وللعامل الذي تُهدر حقوقه؟ وللفقير الذي لا يسمع صوتَه أحد؟
حين وصل إلى لا ريوخا، اقترب من القرى والعمّال والفلاحين، وأقام القدّاس وسطهم، وشجّع التعاونيات والنقابات والمبادرات الاجتماعيّة. وكان يريد كنيسةً لا تنظر إلى الشعب من فوق، وإنما تعيش وسطه وتصغي إليه. تصف المصادر التي تروي سيرته كيف كان يصل بسيارته المتواضعة، يجلس مع الناس ويشرب معهم المتّة ويستمع إليهم، ومن هذه الخبرة جاءت عبارته الشهيرة عن الأذن المصغية إلى الإنجيل والأذن المصغية إلى الشعب.
وهذا التعبير يحمل، في رأيي، برنامجًا لاهوتيًّا رعويًّا كاملًا. فالإصغاء إلى الشعب من دون الإنجيل يمكن أن يحوّل الكنيسة إلى حركةٍ اجتماعيّة، والإصغاء إلى الإنجيل مع سدّ الأذن أمام صراخ الناس قد يحوّل المسيحيّة إلى خطابٍ دينيّ منفصل عن التجسّد. عند أنجِلِلّي، الأذنان ضروريتان معًا. إلاأنّ هذا النوع من الرعاية وضعه سريعًا في صدامٍ مع أصحاب المصالح الاقتصاديّة، ثم مع المناخ السياسيّ الذي أخذ يزداد عنفًا في الأرجنتين. وكان كلّ حديثٍ عن العدالة أو حقوق العمّال قابلًا لأن يُتهم بأنه "ماركسيّ" أو "شيوعيّ". حتى بعض الذين تصدّوا له قدّموا أنفسهم بوصفهم مدافعين عن الإيمان، بينما كان الأسقف يرى أنّ الدفاع عن الفقراء جزءٌ من أمانته للإنجيل.
بعد الانقلاب العسكريّ عام ١٩٧٦، صار أنجِلِلّي من الأصوات الكنسيّة القليلة التي نددت علنًا بالخطف والتعذيب والقتل. وفي يوليو من العام نفسه قُتل اثنان من كهنة أبرشيته، كارلوس مورياس وجابرييل لونجڤيل، ثم قُتل العلمانيّ ونسيسلاو پيدرنيرا. وبعد أيام، في ٤ أغسطس ١٩٧٦، اغتيل أنجِلِلّي نفسه وهو عائد من تشاميكال. حاول النظام تقديم موته بوصفه حادث سيارة، لكن القضاء الأرجنتينيّ أثبت لاحقًا أنّه كان اغتيالًا مدبّرًا في إطار إرهاب الدولة، وصدر عام ٢٠١٤ حكمٌ بالسجن المؤبّد على اثنين من المسؤولين عن الجريمة.
في ٢٧ أبريل ٢٠١٩ أعلنت الكنيسة تطويب أنجِلِلّي مع مورياس ولونجڤيل وپيدرنيرا، بوصفهم شهداء قُتلوا بسبب أمانتهم للإيمان وما ترتّب عليها من دفاعٍ عن العدالة الإنجيليّة. وفي اليوم اللاحق قال البابا فرنسيس عنهم إنهم اضطُهدوا «من أجل العدالة والمحبّة الإنجيليّة».
ربّما تكمن أهميّة أنجِلِلّي اليوم في سؤالٍ مهمّ وصعب في آنٍ: كيف تستطيع الكنيسة أن تكون أمينةً للإنجيل من دون أن يصبح إيمانها ذريعةً للهروب من الواقع؟





