القمص يوحنا نصيف
يُتابع القدّيس كيرلّس الكبير تعليقه على أحداث القبض على المسيح في بستان جسثيماني (لو22: 47-53)، فيقول:
+ يجب أن نتذكّر ما كتبه يوحنّا الإلهي بخصوص هذا الحَدَث، لأنّه يقُصّ أنّ جنود اليهود اقتربوا ليقبضوا على يسوع، فخرج ليقابلهم وقال لهم: مَن تطلبون؟ فلمّا أجابوه: يسوع الناصري، فإنّه أسلَمَ نفسَه إلى أيدي أولئك القَتَلة قائلاً: أنا هو.
+ إنّهم رجعوا إلى الوراء وسقطوا عندما سمعوه يقول إنّي أنا هو. كان هذا لكي يتعلّموا أنّ آلامه لم تحدُث له بدون إرادته الخاصّة، ولم يكونوا يستطيعون أن يُمسِكوه لو لم يكُن راضيًا أن يأخذوه. فهم لم يُمسِكوا المسيح بفِعل قوّتهم الخاصّة.. بل هو الذي سلّم نفسه لكي يتألّم، عارِفًا تمامًا أنّ آلامه على الصليب هي لأجل خلاص العالم كلّه.
+ التلاميذ المطوَّبون -بسبب غيرتهم الشديدة- أخرجوا سيوفهم ليَدفَعوا الهجوم، ولكنّ المسيح لم يسمح لهم بهذا، بل وبّخ بطرس قائلاً: "اجعل سيفك في غمده، لأنّ كلّ الذين يَأخُذون بالسيف، بالسيف يهلكون" (مت26: 51).
+ هُنا يعطينا المسيح أيضًا نموذجًا للطريقة التي يجب أن نضبط بها حبّنا له، وللحدّ الذي ينبغي أن تبلغ إليه غيرتنا الحارّة للتقوى. فهو لا يريدنا أن نستخدم سيوفًا نقاوم بها أعداءنا، بل بالحريّ نستخدم المحبّة والحكمة، وبهذه الطريقة ينبغي أن ننتصر على الذين يقاوموننا.. لأنّ الحرب لأجل الحقّ هي حرب روحيّة، والدرع الكامل الذي يليق بالقدّيسين هو درع عقلي ومملوء من المحبّة لله.
+ هكذا فإنّ المُخَلِّص يُهَدِّئ من انفعال الرسل القدّيسين الشديد، وحتى يمنع أن يكون عملهم هذا مَثَلاً (يُحتَذَى به)، فهو يُعلِن أنّ رؤساء ديانته (يقصد الرسل) لا يحتاجون إلى سيوف، مهما كان الأمر. ثمّ أنّه شَفَى بقدرته الإلهيّة هذا الذي أتت عليه الضربة، مُعطيًا لأولئك الذين أتوا ليُمسِكوه هذه العلامة الإلهيّة أيضًا لأجل إدانتهم.
+ لكي يوضِّح أنّه لا يستطيع أحدٌ أن يسيطر على قوّته وإرادته، يقول: "كأنّه على لِصٍّ خرجتم بسيوفٍ وعِصِيّ لتأخذوني؟ إذ كنتُ معكم كلّ يوم في الهيكل لم تمدّوا عليّ الأيادي".. يقصد أن يقول: بينما كان من السهل عليكم أن تأخذوني، إذ كنتُ معكم كلّ يومٍ أُعَلِّم في الهيكل، فإنّكم لم تقبضوا عليّ، لماذا؟ لأنّني لم أكُن قد أردتُ بعد أن أتألّم، ولكنّني بالحريّ كنت أنتظر الوقت المناسب لآلامي، وهذا الوقت قد حان الآن!
+ لا تجهلوا أنّ هذه ساعتكم وسُلطان الظُّلمة. أي أنّها هي فترة وجيزة، مُنِحَ لكم فيها سلطان عليّ.. لكم ساعة واحدة ضدّي، إنّها قصيرة جدًّا ولوقتٍ مُحَدَّد، وهي الفترة فيما بين الصليب الثمين والقيامة من الأموات. هذا أيضًا هو السلطان الي أُعطِيَ للظُّلمة.. الظُّلمة هي اسم الشيطان، لأنّه هو الليل والظلام الدامس، وعنه يقول أيضًا المبارك بولس: "إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين، لئلا تُضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح" (2كو4: 4).
+ فالسلطان إذَن قد أُعطِيَ للشيطان واليهود ليقوموا ضدّ المسيح، ولكنّهم حفروا لأنفسهم هوّة الهلاك، لأنّه بواسِطة آلامه خلّص جميع مَن هُم تحت السماء، وقام في اليوم الثالث بعد أن وَطِئَ تحت قدميه مملكة الموت. أمّا هم فقد جلبوا على رؤوسهم الدينونة المحتّمة في صُحبة ذلك التلميذ الخائن.
+ إنّ هؤلاء القوم التُعساء، قد ورّطوا أنفسهم في جريمة قتل ربّهم، وأمّا نحن فنُمَجّد ونُسَبِّح ربّنا يسوع المسيح كمخلّص ومُنقِذ لنا.
[عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 148) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]
القمص يوحنا نصيف





