القمص يوحنا نصيف
أثناء تعليق القدّيس يوحنّا ذهبي الفمّ (347-407م) على موضوع "القيامة" في شرحه للأصحاح 15 من رسالة كورنثوس الأولى، تطرّق إلى موضوع الصلاة من أجل الذين رقدوا، متّخذًا موقِفًا إيجابيًّا لطيفًا، ومؤكِّدًا على الممارسات الليتورجيّة بخصوص الراقدين والتي كانت موجودة وثابتة بالكنيسة، فيقول موجِّهًا كلامه لأقارب المنتقلين:
+ إن كنتَ تَحزَن لأنّه مات هكذا خاطئًا، فكان ينبغي أثناء وجوده في هذه الحياة أن تُعَلِّمه وتهذّبه وتُعَرِّفه طريق الحقّ، وأن يَخضَع لوصايا الله.. لكن حتّى وإن مات خاطئًا، فلهذا السبب تحديدًا يجب أن تفرح، لأنّ الخطايا التي كان يرتكبها قد توقّفَت، ولم يُضِف إليها شرورًا أخرى!
+ مساعدتك له لا تكون بالبكاء، بل بالصلاة والتضرّع، والإحسان والتقدمات. لأنّ الفكر المتجدّد في هذه الأمور لم يأتِ مصادفةً، ولا باطلاً نصلّي ونتذكّر أو نقيم تذكارًا للموتى في الأسرار الإلهيّة، ونقدّم تقدمات لأجلهم، ونترجّى الحَمَل القائم في السموات الذي حمَلَ خطايا العالم، حتّى يُحِلّ عليهم نوعًا من العزاء.
+ ولا ذاك [الكاهن] الذي يقف أمام مذبح الأسرار المخوفة، يصرُخ باطلًا من أجل كلّ الذين رقدوا في المسيح، ويمارس الكهنة تذكار الراقدين بالصلاة لأجلهم.
+ إذًا إن لم نتمِّم هذه التذكارات التي تُقام لأجل الراقدين، ما كان ليُقال هذا الكلام. لأنّ ما نمارسه في صلواتنا، ليس تمثيلًا مسرحيّا؛ حاشا، بل إنّ كلّ شيء يتمّ بإرشاد الروح القدس.
+ إذًا، لنساعد الراقدين من خلال التذكارات التي نُقيمها لأجلهم؛ لأنّه إن كانت الذبيحة والتقدمة قد نَقَّتْ أبناء أيوب، فلماذا تتحيّر؟ فمن حيث أنّنا نقدّم تقدمات لأجل الراقدين فإنّ هذا يُعطِي لهم نوعًا من العزاء. لأنّه في مرّات كثيرة يمنح الله (هِباته وعزاءه) للبعض، بسبب صلوات آخَرين. وهذا قد برهن عليه الرسول بولس بقوله: "لكي يؤدَّى شكر لأجلنا من أشخاص كثيرين، على ما وُهِبَ لنا بواسطة كثيرين" (2كو1: 11).
+ إذًا ينبغي أن لا نتعب أو نملّ من جهة مساعدة أولئك الذين رحلوا عن هذه الحياة الحاضرة، وأن نقدّم التقدمات والتضرّعات لأجلهم. لأنّ هناك استرحام عام لكلّ المسكونة، لذلك يجب أن نصلّي بدالّة لأجل المسكونة كلّها، ولندعُ أولئك أيضًا مع الشهداء والمعترفين والكهنة، لأنّنا جميعنا جسدًا واحدًا.
+ وإن كان هناك أعضاء في هذا الجسد أكثر بهاءً من بقيّة الأعضاء الأخرى، فإنّه من الممكن لأولئك (الذين رقدوا) أن ينالوا صفحًا، من خلال تضرّعاتنا، ومن خلال التقدمات التي نقدّمها لأجلهم..
+ لماذا تحزنين وتتضايقين؟ ولماذا تنوحين، طالما أنّه من الممكن أن تتسبّبي في الصفح لذلك الذي رحل بطرُقٍ كثيرة؟ هل لأنّك بقيتِ وحيدة، وفقدتِ المُدافِع والحامي لك؟ لكن لا ينبغي أن تقولي هذا قطّ، لأنّك لم تفقدي الله. وإذا كان الله معكِ، فهذا سيكون لكِ أعظم حامي وأفضل من الزوج أيضًا، ومن الأب، ومن الابن، ومن القريب..
+ هل فقدتِ ابنًا؟ أنتِ لم تفقدي، لا تقولي ذلك. هذا نومٌ، وليس موتًا. إنّه انتقال من مكان لمكان، وليس فُقدانًا. بل رحلة من مكان أدنى إلى مكان أسمى.. إن صبرتِ بشجاعة سينال المنتقِل وأنتِ أيضًا نوعًا من الراحة.. لتشكري الله حتّى تتبدّد سُحُبُ الحُزن بسبب هذا الشكر، وقولي كما قال المُطَوَّب أيّوب: "الربّ أعطى والربّ أخذ، فليكُن اسم الربّ مبارَكًا" (أي1: 21).
[عن تفسير رسالة القدّيس بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس، للقدّيس يوحنّا ذهبي الفم (عظة 41) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور سعيد حكيم يعقوب]
القمص يوحنا نصيف





