محرر الأقباط متحدون
في مقابلته العامة مع المؤمنين المحتشدين في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان تحدث البابا اليوم عن الدستور الرعوية (الفرح والرجاء) وعن تحديات واللامبالاة وعلاقة الكنيسة بالعالم المعاصر
أجرى قداسة البابا لاوُن الرابع عشر صباح اليوم الأربعاء مقابلته العامة مع المؤمنين في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان واستهل تعليمه الأسبوعي بالقول نبدأ في لقاء اليوم بالتأمّل في الدستور الرعوي (الفرح والرجاء،) الذي أرادا المجمع الفاتيكاني الثاني من خلاله تعميق موضوعٍ أساسي، ألا وهو علاقة الكنيسة بعالم المعاصر. وكان القديس يوحنا الثالث والعشرون، منذ كلمته الافتتاحية في 11 تشرين الأول أكتوبر 1962، قد أراد المخالفة في الرأي مع أنبياء الشؤم الذين مع أنهم متقدون بغيرة دينية يكررون القول إن أزمنتنا، مقارنةً بالقرون الماضية، هي سيئة للغاية؛ حتى إنهم يتصرفون وكأنه ليس لديهم ما يتعلمونه من التاريخ ومن هنا تأتي المهمة الموكلة إلى آباء المجمع: في الوضع الحالي للأحداث البشرية، حيث يبدو أن البشرية تدخل في نظام جديد للأمور، ينبغي بالأحرى رؤية المقاصد الخفية للعناية الإلهية، التي تتحقق في أوقات متتابعة من خلال عمل البشر، وغالباً ما تتجاوز توقعاتهم، وتدبر كل شيء بحكمة، حتى الأحداث البشرية المعاكسة، لخير الكنيسة
تابع الأب الأقدس بالقول فبعد ثلاث سنوات، أقرّ إصدار الدستور الرعوي «الفرح والرجاء» بأن هذا التمييز هو عنصر أساسي في طبيعة الكنيسة، واصفاً طبيعتها الرعوية بأنها أساسية: ومن هنا جاءت تسمية "الدستور الرعوي". ولا يتعلق الأمر بتفاؤل ساذج، بل بأمانة متجددة لسرّ المسيح الذي، بتجسّده، اختار أن يشاركنا حياتنا: إذ صار «شبيهاً بالإخوة في كل شيء» وحمل نتائج الخطيئة، مائتاً «فداءً عن الجميع». إن هذه المشاركة مع البشرية هي الطريق التي يطلب المسيح من الكنيسة سلوكها؛ ولهذا السبب، يفتتح الدستور المجمعي (الفرح والرجاء) بتصريحه أن الكنيسة تشعر بأن أفراح وآمال، وأحزان ومخاوف أبناء عصرنا، ولا سيما الفقراء'> الفقراء والذين يعانون، هي كأنها أفراحها وآمالها وأحزانها ومخاوفها»
تابع الحبر الأعظم يقول إنها مشاركة تدعونا إلى الخروج من كل سلبية ولامبالاة أمام الأحداث التي تقع، وأمام التاريخ وحياة الأشخاص، ولا سيما أمام التغيير السريع والعميق الذي نعيشه اليوم. لا يمكننا أن نبقى متفرجين غير مهتمين، بل يجب بالأحرى الإصغاء بالقلب، والسماح للواقع بأن يتحدانا، والمشاركة الفاعلة. فمع المسيح وبإسنادٍ من قوة روحه، ينبغي للمؤمنين أن يتحملوا صعوبات إخوتهم، وخاصة أولئك الذين يسحقهم الظلم والتمييز والعنف. ففي المشاركة والالتزام وحدهما يمكن الوصول إلى إجابات ملائمة، مدعومين دائماً باليقين بأن آلام الزمن الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُعلن فينا.
وأضاف البابا لاون الرابع عشر بالقول وبهذا المعنى، فإن القرب من البشرية يفتح الباب لقراءة أعمق للأحداث وللوحي ذاته، وفي الآفاق عينها، يذكّر دستور الفرح والرجاء بـ واجب الكنيسة الدائم في تقصّي علامات الأزمنة وتفسيرها في ضوء الإنجيل. لقد دعا هذا الدستور المجمعي الكنيسة بالتالي إلى التزام دائم بالتوبة والارتداد، للشهادة بأنها لا تتحرك بدافع أي طموح دنيوي، بل تصبو إلى هذا الأمر وحده: أن تواصل، تحت قيادة الروح المعزي، عمل المسيح نفسه، الذي جاء إلى العالم ليشهد للحق، وليخلّص لا ليدين، وليَخدُم لا لِيُخدَم
تابع قداسة البابا بالقول لا يتعلق الأمر، في الواقع، بتوجيه أخلاقي محض. فقد ذكّرنا البابا فرنسيس بأن بالنسبة للكنيسة إن الخيار التفضيلي للفقراء هو لاهوتي قبل أن بكون ثقافي أو علمي اجتماعي أو سياسي أو فلسفي. نحن مدعوون إلى اكتشاف المسيح فيهم، وإلى إعارتهم صوتنا في قضاياهم، ولكن أيضاً إلى أن نكون أصدقاء لهم، ونُصغي إليهم، ونفهمهم، ونستقبل الحكمة الخفية التي يريد الله أن يبلغنا إياها من خلالهم»
تابع الحبر الأعظم يقول إن المشاركة المسيحية تلزمنا بتحمل مسؤولية الواقع وأيضاً بكشف التناقضات التي تميز الحياة الشخصية والاجتماعية في العالم المعاصر: على سبيل المثال، التقدم العلمي والتكنولوجي الذي يتيح إمكانيات جديدة باستمرار، ولكن للبعض فقط، والذي لا ينجح الإنسان دائماً في وضعه «في خدمته»؛ أو المعرفة الأوضح لـ «قوانين الحياة الاجتماعية» التي يرافقها مع ذلك شكوك حول «الاتجاه الواجب إعطاؤه لها»؛ أو أيضاً، التوفر الأكبر لـثروات والإمكانيات والقوة الاقتصادية ، والتي للأسف، اليوم كما في زمن المجمع، تترك «جزءاً كبيراً من سكان الكرة الأرضية يعانون من الجوع والفقر أو الوعي المشترك بأن مستقبل الكوكب على المحك، وفي الوقت نفسه العجز عن التخلي عن الاستهلاك الأني، والوهم بأن الحرب هي طريق فعال لبناء السلام.
ختم قداسة البابا لاون الرابع عشر تعليمه الأسبوعي في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان بالقول في زمن يتسم بتغيرات عميقة تنشأ عنها اختلالات مقلقة، تتلقى الكنيسة الدعوة لخدمة الإنسان، بالإصغاء إلى التساؤلات الأكثر عمقاً في قلبه والتطلعات التي تسكنه وقبولها، مشيرةً إلى المسيح بكونه «المفتاح والمركز والغاية لتاريخ البشرية بأجمعه. لذلك، يجب أن يتحقق في الكنيسة، على كل مستوى وفي كل عصر، إخلاء الذات (kenosis) الرحوم للمسيح الذي «إذ كان في صورة الله، لم يحسب مساواته لله غنيمة، بل أخلى ذاته آخذاً صورة عبد، وصار مطيعاً حتى الموت، موت الصليب» أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، ليكون الفرح والرجاء – gaudium et spes – الميزتين الفارقتين لكنيسة تعلن الإنجيل وتشهد له، جاعلةً نفسها قريبة من نساء ورجال عصرنا."




