القمص يوحنا نصيف
يعلّق القدّيس كيرلّس الكبير على ما حدث في بستان جسثيماني، عندما أتى يهوذا مع جمع كبير للقبض على المسيح، مُقَبِّلًا إيّاه، ثمّ محاولة بطرس الدفاع عن المسيح باستعمال السيف بقطع الأذن اليمنى لعبد رئيس الكهنة، وتدخُّل المسيح بلمس الأذُن وإبرائها، ثمّ قوله: كَأَنَّهُ عَلَى لِصٍّ خَرَجْتُمْ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ! إِذْ كُنْتُ مَعَكُمْ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ لَمْ تَمُدُّوا عَلَيَّ الْأَيَادِيَ. وَلَكِنَّ هَذِهِ سَاعَتُكُمْ وَسُلْطَانُ الظُّلْمَةِ (لو22: 47-53)، فيقول:
+ سبق المخلِّص ونبّه الرسل القدّيسين أنّه سوف يُقبّض عليه، ويُكابِد آلامه على الصليب بيد الأثمَة. كما أنّه أوصاهم بأنّه عندما تضغط التجربة، عليهم ألّا يضجروا وألّا يناموا في وقتٍ غير مناسب، بل بالأحرى أن يسهروا وأن يُثابِروا في الصلوات.
+ إنّ هذا الرجل (يهوذا) كان معدودًا مع المختارين، ومحسوبًا ضمن جماعة الرسل القدّيسين.. لقد كان مُعادِلًا في الكرامة للباقين، وكان مُزَيَّنًا بكلّ الكرامات الرسوليّة، ولكن هذا المختار والمحبوب، والذي تلطَّف الربُّ وأدخَلَه إلى المائدة المقدّسة وإلى أعلى الكرامات، صار الواسِطة والوسيلة لقَتَلَةِ المسيح.
+ لقد أعطى لهؤلاء القَتَلة علامةً قائلاً: "الذي أقبّله هو". لقد نسِيَ تمامًا مجدَ المسيح، وفي غبائه المُطبق ربّما تصوّر أنّه سوف يظلّ مستترًا عندما يُعطي المسيح قُبلةً، التي هي علامة المحبّة، بينما كان قلبه ممتلِئًا من المرارة والخداع الشرّير.
+ إنّ الحَيّة كانت هناك داخله وتُحارِب ضدّ الله، وكان هو مسكنًا للشيطان، لأنّ واحدًا من البشيرين القدّيسين يقول بخصوصه، إنّه بينما كان المُخَلِّص متّكِئًا على المائدة مع باقي التلاميذ، فإنّه أعطاه لقمةً بعد أن غمسها في الصحفة: "فبعد اللقمة دخله الشيطان" (يو13: 27).
+ إنّه اقتربَ من المسيح، وكأنّه أداة للخداع والخيانة والغدر، فإنّه تظاهَرَ بعاطِفة غير عاديّة، لذلك فالمسيح أدانه بكلّ قوّة وعن حقّ بقوله: "يا يهوذا أبِقُبلة تسلّم ابن الإنسان؟". ويقول متّى البشير إنّ الخائن عندما اقترب من المسيح مخلّصنا جميعًا، فإنّه قبّلَه، وأضاف "السلام يا سيّدي" (مت26: 49). كيف تقول "السلام" للّذي صار عن طريقك فريسةً للموت؟!
+ نحن نرى أنّه بسبب أنّ ذاك -أي الشيطان- كان داخله، فإنّه استخدمَ الكذِب حتّى في قوله "السلام". وبسبب هذه الأعمال يقول النبيّ في موضع ما: "لسانهم سهم نافذ. كلام فمهم خداع. يكلّم صاحبه بسلام، وفي قلبه عداوة" (إر9: 8 سبعينيّة).
[عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 148) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]
القمص يوحنا نصيف





