الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
ومن هنا أيضًا يأتي سبب كتابة هذه السلسلة بالعربيّة. إنّنا لسنا بصدد التساؤل عن كيفيّة نقل النموذج اللاتينيّ الأمريكيّ إلى العالم العربيّ. فهذه المسألة نفسها تتعارض مع أهمّ ما علّمنا إيّاه لاهوت التحرير وهو أن اللاهوت لا يُستنسخ. فقد وُلدتْ التجربة اللاتينيّة من أسئلتها الخاصّة، وحين انتقل التفكير التحريريّ إلى جنوب أفريقيا أعادت العنصريّة والفصل العنصريّ تشكيل أسئلته؛ وعندما دخل السياق الآسيويّ صار الفقر والتعدّد الدينيّ والثقافة قضايا لا يمكن فصل بعضها عن بعض. وبالطريقة نفسها، لا يستطيع العالم الناطق بالعربيّة أو الشرق الأوسط أن يبدأ من قائمة أجوبةٍ صيغتْ في بيرو أو البرازيل أو السلڤادور، وإنّما من الواقع الذي تعيش فيه كنائسه وشعوبه.

وهذا الواقع مختلفٌ بشكلٍ كبير عن واقع أمريكا اللاتينيّة. فإلى جانب الفقر وعدم المساواة تفرض المنطقة أسئلة الاحتلال والتهجير، والاستبداد، والمواطنة، والطائفيّة، والحرّيّة الدينيّة، والعنف باسم الدين، والإرهاب، والهجرة، والذاكرة الجماعيّة الجريحة، والعلاقة المعقّدة بين الدين والدولة، ووجود المسيحيّين بوصفهم أقلّيّةً عدديّة في أغلب المجتمعات التي يعيشون فيها. لقد كنتُ أفكّر في المسودّة الأولى للسلسلة،وكنت أحسب أنّ السؤال في الواقع الشرق الأوسطيّ  أوسع من نقل التجربة اللاتينيّة، وفكّرتُ إمكان أن يصبح «المواطن المهدور الكرامة» مدخلًا يتّسع للفقر والتمييز وفقدان الحقوق والتهجير والهجرة معًا. لكن هذه السلسلة لن تجيب عن هذه المسألة منذ المقدّمج، إذ رأيتُ أنّه ينبغي أوّلًا أن نفهم التجربة التي نتعلّم منها قبل أن نسأل كيف يمكن تجاوز حدودها.

ولهذا ستتحرّك السلسلة في خمس مراحل. تبدأ أوّلًا بتاريخ السؤال: كيف انتقل التقليد المسيحيّ من خدمة الفقير وأعمال الرحمة إلى تحليل «المسألة الاجتماعيّة» والبنى التي تنتج الظلم؟ ثمّ تدرس البنية اللاهوتيّة للاهوت التحرير: الممارسة، والعلاقة بين الخلاص والتحرير، والخطيئة والبنى، والخيار التفضيليّ للفقراء، والكتاب المقدّس، والكنيسة، والملكوت والروحانيّة، وأخيرًا مشكلة الماركسيّة والحوار مع السلطة التعليميّة للكنيسة الكاثوليكيّة. وبعد ذلك ننتقل إلى الشخصيّات التي غيّرت المشروع من الداخل، لا لنكتب تراجم فكريّة متوازية، وإنّما لنسأل عمّا أضافه كلّ صوت: جوتيّيرّث في التأسيس والروحانيّة، وسوبرينو وإياكوريا في كريستولوجيا الضحايا و«الشعوب المصلوبة»، وليوناردو بوف في الكنيسة والسلطة، ثمّ الأصوات التي وسّعت المشروع أو انتقدته. وفي المرحلة الرابعة ندرس تحوّله خارج أمريكا اللاتينيّة: جنوب أفريقيا، واللاهوت الأسود في الولايات المتّحدة، وآسيا. وتأتي فلسطين في بداية المرحلة الأخيرة، لأنّها تمثّل تجربةً شرق أوسطيّة عربيّة مسيحيّة قائمة بالفعل، قبل أن ينتهي الكتاب إلى سؤال ما الذي يمكن أن يعنيه «التحرير» داخل التاريخ العربيّ؟

ولا يسعى هذا المسار إلى إثبات أنّ لاهوت التحرير كان على حقّ في كلّ شيء، كما لا يبدأ من افتراض أنّه انحرافٌ يحتاج إلى تصحيح. فاللاهوت ليس محكمةً يُستدعى إليها الماضي لتوزيع أحكام البراءة والإدانة، وإنّما ممارسةٌ للفهم والتمييز. ولهذا سيُقرأ جوتيّيرّث من جوتيّيرّث، وميديين من وثائق ميديين، ومجمع عقيدة الإيمان من نصوصه، وسوبرينو وبوف وإيّاكوريّا من مؤلّفاتهم الأصليّة. وعند الانتقال إلى النقد، سيُطرح السؤال من داخل المسائل نفسها: هل يحافظ مفهوم التحرير على أولويّة النعمة؟ هل يسمح التحليل البنيويّ ببقاء المسؤوليّة الشخصيّة؟ هل يتحوّل «الخيار للفقراء» إلى معيارٍ أيديولوجيّ، أم يستطيع أن يبقى خيارًا إنجيليًّا؟ هل تستطيع الكنيسة أن تدخل التاريخ من غير أن تتحوّل إلى حزب؟ وهل يمكن أن تتحقّق العدالة من غير أن تُختزل المصالحة في النسيان؟

إنّ دراسة لاهوت التحرير، من هذا المنظور هي دراسة سؤالٍ لم يزل مفتوحًا: كيف يتكلّم المسيحيّ عن الله أمام الإنسان المتألّم؟ وقد تتغيّر صورة هذا الألم من الفلّاح الفقير في بيرو إلى ضحيّة الفصل العنصريّ في جنوب أفريقيا، ومن الأمريكيّ الأسود إلى الداليت في الهند، ومن الفلسطينيّ المقتلع من أرضه إلى المواطن في الشرق الأوسط أو العربيّ الذي يسلبه الاستبداد أو الطائفيّة حقّه في المجال العامّ. لكنّ السؤال اللاهوتيّ يبقى، ما الذي يحدث لكلامنا عن الله عندما نسمح لصرخة الإنسان بأن تصل إليه؟
ومن هذا السؤال تبدأ السلسلة.

الحلقة القادمة: الباب الأوّل
ولادة لاهوت التحرير: كيف تغيّر السؤال؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ