هاني صبري – الخبير القانوني والمحامي بالنقض
مع حلول شهر سبتمبر 2026، يدخل قانون الإيجار الجديد رقم 164 لسنة 2025 مرحلة جديدة من مراحل إعادة تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، إذ تستحق ــ وفقًا للمادة السادسة من القانون ــ أول زيادة سنوية دورية بنسبة 15% على القيمة الإيجارية التي جرى تحديدها وفقًا للمادتين الرابعة والخامسة من القانون.
وتأتي هذه الزيادة في إطار فلسفة تشريعية تستهدف إعادة التوازن التدريجي للعلاقة الإيجارية التي ظلت لعقود طويلة خاضعة لتشريعات استثنائية قيدت حرية التعاقد، وجمدت القيم الإيجارية، ومدت بعض العقود بقوة القانون، الأمر الذي أدى بمرور الزمن إلى اختلال واضح في التوازن الاقتصادي بين طرفي العلاقة الإيجارية.
غير أن دخول الزيادة السنوية الجديدة حيز التطبيق لا يعني أن الجدل القانوني والدستوري حول القانون رقم 164 لسنة 2025 قد انتهى، بل على العكس، فما زالت نصوص جوهرية من القانون محل طعون ومنازعات أمام المحكمة الدستورية العليا، وهو ما يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول مدى توافق بعض أحكامه مع المبادئ الدستورية المستقرة، وبخاصة حماية الملكية الخاصة، والمساواة، والتضامن الاجتماعي، والحق في السكن، وسيادة القانون، واستقرار المراكز القانونية.
أولًا: ما حقيقة زيادة الـ15% التي تبدأ في سبتمبر 2026؟
صدر القانون رقم 164 لسنة 2025 بشأن بعض الأحكام المتعلقة بقوانين إيجار الأماكن وإعادة تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، ونشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 4 أغسطس 2025، وبدأ العمل به اعتبارًا من 5 أغسطس 2025.
وقد وضع القانون نظامًا جديدًا لتحديد القيمة الإيجارية للوحدات السكنية الخاضعة لأحكامه، فقسم المناطق إلى مناطق متميزة ومتوسطة واقتصادية، وربط القيمة الإيجارية الجديدة بتصنيف المنطقة.
كما قرر بالنسبة للأماكن المؤجرة للأشخاص الطبيعيين لغير غرض السكنى أن تصبح القيمة الإيجارية القانونية خمسة أمثال القيمة الإيجارية القانونية السارية.
ثم جاءت المادة السادسة لتقرر قاعدة عامة مؤداها:
«تزاد القيمة الإيجارية المحددة وفقًا للمادتين (4، 5) من هذا القانون سنويًا بصفة دورية بنسبة (15%)».
ومن ثم، فإن الزيادة التي تستحق في سبتمبر 2026 تمثل أول زيادة سنوية دورية بنسبة 15% بعد إعادة تحديد القيمة الإيجارية وفقًا للقانون.
وبالتالي، فإذا أصبحت القيمة الإيجارية ــ على سبيل المثال ــ 1000 جنيه بموجب أحكام القانون، فإن الزيادة السنوية بنسبة 15% تجعلها 1150 جنيهًا، ثم تضاف نسبة 15% إلى القيمة الجديدة في كل سنة لاحقة خلال الفترة الانتقالية.
وهنا يجب التنبيه إلى أن نسبة الـ15% لا تحسب من الأجرة القديمة الأصلية، وإنما من القيمة الإيجارية الجديدة المحددة وفقًا للمادتين الرابعة والخامسة من القانون.
ثانيًا: القانون لم يقتصر على زيادة الأجرة وإنما أعاد تشكيل العلاقة الإيجارية بأكملها
لا يمكن النظر إلى القانون رقم 164 لسنة 2025 باعتباره مجرد قانون لزيادة القيمة الإيجارية؛ إذ إنه أحدث تغييرًا جوهريًا في البناء القانوني للعلاقة بين المالك والمستأجر.
فالمادة الثانية قررت انتهاء عقود إيجار الأماكن السكنية الخاضعة للقانون بانتهاء مدة سبع سنوات من تاريخ العمل به، بينما تنتهي عقود إيجار الأماكن للأشخاص الطبيعيين لغير غرض السكنى بانتهاء مدة خمس سنوات، ما لم يتفق الطرفان على إنهائها قبل ذلك.
كما وضعت المادة السابعة حالات أخرى للإخلاء، من بينها ثبوت ترك العين المؤجرة مغلقة لمدة تزيد على سنة دون مبرر، أو ثبوت امتلاك المستأجر وحدة أخرى صالحة للاستخدام في ذات الغرض المعد له المكان المؤجر، مع منح المالك حق اللجوء إلى قاضي الأمور الوقتية لطلب طرد الممتنع عن الإخلاء في الحالات التي حددها القانون.
وبذلك فإن القانون لم يكتف بإعادة تقدير الأجرة، وإنما تدخل في مدة العقد ومآله وأسباب انتهائه وإجراءات الإخلاء.
وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل المناقشة الدستورية أكثر تعقيدًا من مجرد الجدل حول نسبة الزيادة.
ثالثًا: القانون رقم 164 لسنة 2025 ما زال محل طعون ومنازعات أمام المحكمة الدستورية العليا
من المهم قانونًا التأكيد على أن القول بعدم دستورية القانون أو دستورية نصوصه لم يحسم قضائيًا حتى الآن، وإنما توجد دعاوى ومنازعات دستورية تطعن على عدد من أحكامه.
ومن أبرز هذه الدعاوى المنازعة المقيدة برقم 33 لسنة 47 قضائية «منازعة تنفيذ»، والتي تضمنت طلبات تتعلق بوقف تنفيذ وعدم الاعتداد بمواد من القانون رقم 164 لسنة 2025، من بينها المواد 2 و4 و5 و6 والفقرتان الأولى والثانية من المادة 7، فضلًا عن التمسك بأحكام سابقة للمحكمة الدستورية العليا.
كما توجد دعاوى أخرى أمام هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا طعنت على مواد مختلفة من القانون، وبالأخص المواد 2 و4 و5 و6 و7، تأسيسًا على مخالفتها لعدد من النصوص والمبادئ الدستورية.
وقد استمرت هذه المنازعات خلال عام 2026 أمام هيئة المفوضين، وهو ما يؤكد أن المسألة لا تزال مطروحة دستوريًا ولم يصدر ــ حكم نهائي من المحكمة الدستورية العليا يقضي بعدم دستورية القانون رقم 164 لسنة 2025 برمته.
ومن ثم، فإن مجرد وجود الطعن لا يوقف بذاته تطبيق القانون ما لم يصدر حكم أو قرار قضائي يرتب أثرًا قانونيًا في هذا الشأن.
رابعًا: شبهة المساس بالملكية الخاصة
من أهم أوجه شبهة عدم الدستورية التي يمكن إثارتها في مواجهة بعض نصوص القانون الجديد مدى توافقها مع الحماية الدستورية للملكية الخاصة.
فالدستور المصري نص في المادة 35 على أن الملكية الخاصة مصونة، وكفل حق الإرث، ووضع ضمانات دستورية لنزع الملكية.
كما قرر الدستور حماية الملكية بأنواعها المختلفة.
والملكية الخاصة لا تقتصر على مجرد حق الرقبة، وإنما تمتد ــ في مدلولها القانوني ــ إلى عناصرها ومقومات الانتفاع والاستغلال والحصول على ثمار المال.
ومن ثم، فإن السؤال الدستوري الحقيقي ليس: هل يجوز للمشرع تنظيم العلاقة الإيجارية؟
فالإجابة ــ في الأصل ــ نعم.
وإنما السؤال هو:-
إلى أي مدى يجوز للمشرع أن يتدخل في علاقة إيجارية قائمة، فيغير شروطها الاقتصادية، ويعيد تحديد أجرتها، ويقرر انتهاءها بعد مدة محددة، دون أن يتحول التنظيم التشريعي إلى انتقاص جوهري من عناصر الملكية أو إلى إهدار غير متناسب للمراكز القانونية المستقرة؟
وهنا تبرز أهمية حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في 9 نوفمبر 2024 بشأن ثبات الأجرة في ظل القانون رقم 136 لسنة 1981.
فقد قررت المحكمة أن التشريعات الاستثنائية المتعلقة بالإيجار، وإن كان لها سند في مواجهة أزمات اجتماعية واقتصادية معينة، فإنها تظل تشريعات ذات طابع استثنائي، وينبغي مراجعتها بما يحقق التكافؤ بين مصالح طرفي العلاقة الإيجارية.
كما انتهت المحكمة إلى عدم دستورية النصوص التي أدت إلى ثبات الأجرة على نحو أخل بالعدل والتضامن الاجتماعي وأهدر حق الملكية الخاصة.
وهذا الحكم يمثل سابقة بالغة الأهمية عند تقييم التشريع الجديد، وإن كان لا يعني تلقائيًا عدم دستورية القانون رقم 164 لسنة 2025؛ إذ يجب على المحكمة أن تفحص كل نص في ضوء مضمونه وأثره والغاية التشريعية منه ومدى تناسب الوسيلة مع الهدف.
خامسًا: هل يجوز للقانون الجديد أن يتدخل في عقود أبرمت في ظل قوانين سابقة؟
هذه من أخطر المسائل القانونية التي يثيرها القانون رقم 164 لسنة 2025.
فالأصل في العقود، وفقًا للمادة 147 من القانون المدني، أن العقد شريعة المتعاقدين، ولا يجوز نقضه أو تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون.
ويترتب على ذلك أن العقد الذي أبرم صحيحًا في ظل قانون نافذ، واستوفى شروطه القانونية، ينشئ مركزًا قانونيًا تعاقديًا لا يجوز إهداره تعسفًا.
غير أن هذا المبدأ ــ من الناحية الدستورية الدقيقة ــ ليس مطلقًا إلى الدرجة التي تمنع المشرع من التدخل في جميع العقود القائمة.
فالمحكمة الدستورية العليا نفسها قررت أن القوانين الاستثنائية المنظمة للإيجار تدخلت تاريخيًا في الامتداد القانوني وتحديد الأجرة، وأن ذلك التدخل ليس مستعصيًا على التنظيم التشريعي من حيث المبدأ، وإنما يتعين أن يستند إلى ضوابط موضوعية تحقق التوازن بين طرفي العلاقة.
ومن هنا فإن وجه الطعن الأقوى ليس القول المجرد بأن «القانون لا يستطيع أبدًا تعديل عقد سابق»، وإنما القول بأن: سلطة المشرع في تنظيم العقود القائمة ليست سلطة مطلقة، وإنما تقف عند حدود الدستور، وحماية الملكية الخاصة، والعدالة، والمساواة، والتناسب، واستقرار المراكز القانونية، وعدم إهدار الحقوق المكتسبة أو جوهر الحق دون مقتضٍ دستوري معتبر.
وهذا تمييز بالغ الأهمية في البناء الدستوري للدفع.
سادسًا: استقرار المراكز القانونية كضمانة دستورية
من المبادئ المهمة التي ينبغي أن تطرح أمام المحكمة الدستورية العليا أن استقرار المراكز القانونية لا يمثل مجرد مصلحة فردية عابرة، وإنما يرتبط بمبدأ سيادة القانون والثقة المشروعة في النظام القانوني.
فالمواطن عندما يبرم عقدًا في ظل قانون نافذ، ويستمر في تنفيذ التزاماته لسنوات طويلة، فإن القانون القائم وقت إبرام العقد يشكل جزءًا أساسيًا من الإطار القانوني الذي نشأ في ظله مركزه القانوني.
ولا يعني ذلك تحصين العقد من أي تنظيم تشريعي لاحق، وإنما يعني أن التدخل التشريعي اللاحق يجب أن يكون مبررًا دستوريًا، عامًا، مجردًا، متوازنًا، وألا يصل إلى درجة إهدار الحقوق والمراكز القانونية إهدارًا غير متناسب.
وهنا يمكن تأسيس شبهة دستورية جدية على أن بعض أحكام القانون رقم 164 لسنة 2025 لم تكتف بتنظيم آثار العقود المستقبلية، وإنما امتدت إلى عقود قائمة بالفعل، أبرمت في ظل قوانين كانت تسمح باستمرارها وامتدادها، ثم قررت إنهاءها حتمًا بعد مدة انتقالية.
سابعًا: التوازن بين الملكية الخاصة والحق في السكن
في المقابل، لا يمكن أن يغيب عن التحليل الدستوري حق المستأجر في السكن.
فالمادة 78 من الدستور تلزم الدولة بكفالة حق المواطنين في المسكن الملائم والآمن والصحي بما يحفظ الكرامة الإنسانية ويحقق العدالة الاجتماعية.
وبالتالي، فإن الدستور لا يحمي المالك وحده ولا المستأجر وحده، وإنما يفرض على المشرع إقامة توازن دستوري دقيق بين حق الملكية الخاصة والحق في السكن ومتطلبات العدالة الاجتماعية.
وهذا تحديدًا هو الاتجاه الذي أكدته المحكمة الدستورية العليا في حكمها الصادر عام 2024، إذ قررت أن تنظيم الأجرة ينبغي ألا يؤدي من ناحية إلى تمكين المؤجر من فرض أجرة غالية تستغل حاجة المستأجر إلى السكن، وألا يؤدي من ناحية أخرى إلى إهدار عائد استثمار المالك وإحالته إلى العدم.
ومن ثم فإن المعيار الدستوري الحقيقي هو التوازن، وليس الانحياز المطلق إلى أحد طرفي العلاقة.
ثامنًا: شبهة الإخلال بمبدأ المساواة
المادة 53 من الدستور قررت أن المواطنين لدى القانون سواء، وأوجبت أن يقوم أي تمييز تشريعي على أساس موضوعي يرتبط بالغاية التي يستهدفها التنظيم القانوني.
ومن ثم يمكن بحث مدى توافر معيار موضوعي كافٍ في التصنيفات التي أنشأها القانون، سواء بالنسبة إلى المناطق المتميزة والمتوسطة والاقتصادية، أو بالنسبة إلى طبيعة العين والغرض من استعمالها، أو بالنسبة إلى اختلاف المراكز القانونية للمستأجرين.
ولا يكفي لكي يكون التمييز دستوريًا أن يقرر المشرع تصنيفًا شكليًا، بل يجب أن يكون هذا التصنيف قائمًا على أسس موضوعية ومنطقية، وأن تكون الوسيلة التشريعية مرتبطة بصورة حقيقية بالغاية التي استهدفها القانون.
وقد أكدت المحكمة الدستورية العليا أن المشرع يملك سلطة التمييز بين الفئات متى كان التمييز قائمًا على أسس موضوعية، وكانت الوسائل التشريعية متصلة اتصالًا منطقيًا بالأهداف التي يستهدف تحقيقها.
تاسعًا: مدى دستورية إنهاء العقود القائمة بعد سبع سنوات
المادة الثانية من أكثر مواد القانون إثارة للجدل، لأنها قررت انتهاء عقود الإيجار السكنية الخاضعة للقانون بعد سبع سنوات من تاريخ العمل به، أي أن المشرع حدد أجلًا نهائيًا لاستمرار العلاقة الإيجارية التي كانت تخضع في الأصل للامتداد القانوني.
وهنا يظهر التساؤل الدستوري:
هل تكفي الفترة الانتقالية التي حددها المشرع لتحقيق التوازن بين حق المالك في استرداد ملكه وحق المستأجر في الاستقرار السكني؟
وهل تختلف الإجابة بحسب الظروف الواقعية للمستأجر، ومدة شغله للعين، واعتماده عليها، ووجود بديل من عدمه؟
وهل يعتبر مجرد منح مدة انتقالية ــ ولو كانت سبع سنوات ــ كافيًا بذاته لتبرير إنهاء مراكز قانونية نشأت منذ عقود؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بمعزل عن مبدأ التناسب، وعن طبيعة الحق محل الحماية، وعن الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي صدر القانون لمواجهتها.
عاشرًا: هل يمثل القانون اعتداءً على أحكام المحكمة الدستورية السابقة؟
من أوجه الطعن التي طرحت أمام المحكمة الدستورية العليا القول بأن بعض أحكام القانون رقم 164 لسنة 2025 قد تتعارض مع المبادئ التي سبق أن أرستها المحكمة الدستورية العليا في أحكام سابقة بشأن قوانين الإيجار.
ومن بين الأحكام التي أثيرت في المنازعات الحالية أحكام الدستورية في القضايا أرقام 105 لسنة 19 قضائية دستورية، و70 لسنة 18 قضائية، و203 لسنة 20 قضائية، و24 لسنة 20 قضائية، و56 لسنة 18 قضائية، بحسب ما ورد في طلبات إحدى منازعات التنفيذ.
وهنا يجب التفرقة بين أمرين:
الأول: أن حجية أحكام المحكمة الدستورية العليا مطلقة في الحدود التي حددها الحكم.
والثاني: أن صدور تشريع جديد لا يعني بذاته أنه أصبح محصنًا من الرقابة الدستورية لمجرد أنه جاء لاحقًا على حكم سابق.
بل إن مناط الأمر هو مدى تعارض النص الجديد مع المبدأ الدستوري الملزم الذي سبق للمحكمة أن أرسته، ومدى توافر اختلاف حقيقي في الظروف أو في التنظيم التشريعي يمكن أن يبرر النتيجة الجديدة.
حادي عشر: القانون بين ضرورات الإصلاح التشريعي وحدود السلطة التقديرية للمشرع
لا خلاف على أن مشكلة الإيجار القديم ظلت لعقود طويلة من أكثر المشكلات تعقيدًا في التشريع المصري، وأن استمرار أجور متدنية للغاية في بعض الحالات، مع ارتفاع قيمة العقارات ومعدلات التضخم، أدى إلى اختلال اقتصادي شديد بين المالك والمستأجر.
كما أن المحكمة الدستورية العليا نفسها أكدت في حكمها الصادر عام 2024 أن التشريعات الاستثنائية المتعلقة بالإيجار لا ينبغي أن تتحول إلى حلول أبدية، وأن استمرارها يجب أن يكون محل مراجعة لتحقيق التكافؤ بين المصالح المتعارضة.
ومن ثم فإن الهدف الذي يستهدفه القانون رقم 164 لسنة 2025 يمكن أن يكون هدفًا مشروعًا في ذاته.
لكن مشروعية الهدف لا تعني بالضرورة دستورية كل وسيلة استخدمها المشرع لتحقيقه.
وهنا تكمن جوهر الرقابة الدستورية:
هل الوسيلة التشريعية ضرورية؟ وهل تحقق الغاية المشروعة؟ وهل تتناسب آثارها مع هذه الغاية؟ وهل تحافظ على الحد الأدنى من الحقوق والمراكز القانونية التي يحميها الدستور؟
فإذا تجاوز المشرع هذه الحدود، أمكن أن تتحول السلطة التقديرية في التشريع إلى سلطة مقيدة بالدستور لا يجوز لها المساس بجوهر الحقوق والحريات.
في تقديري، فإن القانون رقم 164 لسنة 2025 لا يمكن وصفه بالكامل بأنه قانون غير دستوري لمجرد أنه تدخل في علاقات إيجارية قائمة؛ فهذا التوصيف سيكون أوسع من اللازم، ولا يتفق مع اتجاهات المحكمة الدستورية العليا التي أقرت من حيث الأصل حق المشرع في تنظيم العلاقات الإيجارية الاستثنائية.
ولكن في المقابل، فإن بعض نصوص القانون تثير بالفعل شبهة جدية في مدى توافقها مع الدستور، وبصفة خاصة إذا أدى تطبيقها إلى المساس بجوهر الملكية الخاصة، أو إهدار مراكز قانونية مستقرة، أو فرض تمييز لا يستند إلى أساس موضوعي، أو إنهاء علاقات تعاقدية قائمة بصورة لا تحقق التناسب بين مصالح الملاك والمستأجرين.
وأرى أن المسألة الأكثر أهمية تتمثل في أن العقود التي أبرمت صحيحة في ظل قوانين نافذة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد أوضاع مادية يمكن للمشرع محوها دون ضوابط، وإنما باعتبارها مراكز قانونية تعاقدية نشأت في ظل إطار تشريعي محدد، ولا يجوز المساس بها إلا في حدود السلطة التشريعية التي يجيزها الدستور وبالقدر اللازم لتحقيق مصلحة عامة حقيقية ومشروعة.
فمبدأ «العقد شريعة المتعاقدين»، وإن كان لا يمنع المشرع مطلقًا من تنظيم آثار العقود القائمة، يظل من أهم الضمانات القانونية لاستقرار المعاملات، ولا يجوز إفراغه من مضمونه عبر تدخل تشريعي لاحق يهدر جوهر الحقوق التي نشأت بمقتضى العقد.
والأدق دستوريًا أن نقول إن استقرار المراكز القانونية والثقة المشروعة في القانون، مقروءين مع حماية الملكية الخاصة وسيادة القانون ومبدأ التناسب، تشكل منظومة دستورية يجب على المشرع احترامها عند إعادة تنظيم العلاقات القائمة.
وختامًا إن بدء تطبيق زيادة الـ15% في سبتمبر 2026 يمثل محطة جديدة في تنفيذ القانون رقم 164 لسنة 2025، لكنه لا يغلق باب الجدل القانوني حول دستورية هذا التشريع.
فالمشرع يملك ــ بلا شك ــ سلطة إصلاح التشريعات الاستثنائية التي اختل بها التوازن بين المؤجر والمستأجر، بل إن قضاء المحكمة الدستورية العليا نفسه أكد ضرورة إعادة النظر في هذه التشريعات متى تحولت من حلول استثنائية إلى أوضاع دائمة أهدرت حقوق أحد طرفي العلاقة.
إلا أن سلطة المشرع في الإصلاح ليست مطلقة، وإنما يحدها الدستور، وفي مقدمة ذلك حماية الملكية الخاصة، وسيادة القانون، والمساواة، والتضامن الاجتماعي، والحق في السكن، واحترام المراكز القانونية التي نشأت بصورة مشروعة.
ومن ثم فإن التحدي الحقيقي أمام المحكمة الدستورية العليا لا يتمثل في الاختيار بين «المالك» و«المستأجر»، وإنما في تحديد الحد الدستوري الفاصل بين حق الدولة في إصلاح اختلال تشريعي تاريخي وبين حظر إهدار الحقوق والمراكز القانونية المستقرة دون ضرورة أو تناسب.
وفي تقديري الشخصي، فإن بعض مواد القانون رقم 164 لسنة 2025 تحمل شبهة جدية بعدم الدستورية متى أدى تطبيقها إلى إهدار جوهر المراكز القانونية والعقدية القائمة، خاصة أن العقود التي أبرمت في ظل قوانين سارية لم تنشأ في فراغ قانوني، وإنما تأسست على قواعد تشريعية كانت نافذة وملزمة للكافة وقت إبرامها.
فالعقود لا ينبغي أن تصبح رهينة لتقلب التشريعات، واستقرار المراكز القانونية ليس ترفًا قانونيًا، وإنما أحد مقومات دولة القانون واستقرار المعاملات.
وفي النهاية، تبقى الكلمة الفصل للمحكمة الدستورية العليا، صاحبة الاختصاص الأصيل في الرقابة على دستورية القوانين، وهي التي ستحدد ــ في ضوء نصوص الدستور ومبادئها القضائية المستقرة ــ ما إذا كان المشرع قد التزم بالحدود الدستورية لسلطته في إعادة تنظيم العلاقة الإيجارية، أم جاوزها إلى حد المساس بجوهر الحقوق والمراكز القانونية المحمية دستوريًا.





