محمد المصرى
في القرآن الكريم عبارة قصيرة تختصر موقفا معرفيا بالغ الأهمية:
{سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}

قد تبدو الآية في ظاهرها مجرد طلب للتحقق من خبر، لكنها عند التأمل تكشف عن موقف أعمق بكثير من ذلك. فالعقل الرشيد لا يجعل الخبر حقيقة بمجرد وروده، ولا يجعله كذبا لمجرد الشك فيه. بين التصديق والتكذيب مساحة ضرورية اسمها النظر.

«سننظر» تعني أن الحكم لم يصدر بعد. هناك دعوى، وهناك احتمال، وهناك واقع ينبغي الرجوع إليه، وهناك أدلة يجب فحصها. ولذلك فإن النظر هنا ليس مجرد رؤية أو انتظار، وإنما هو فعل عقلي يقوم على البحث والتحليل والمقارنة والتقييم قبل إصدار الحكم.

وهذه الروح هي في جوهرها ما نطلق عليه اليوم التفكير النقدي والتفكير العلمي.

لا تصدق الخبر لأنه خبر

من أكبر أخطاء التفكير أن نخلط بين ورود المعلومة وصحة المعلومة.

قد يخبرنا شخص بشيء، وقد يكون صادقا، وقد يكون مخطئا، وقد يكون متعمدا للكذب. والمعلومة قد تكون منتشرة بين الناس، وقد تتكرر آلاف المرات، ومع ذلك لا تصبح صحيحة لمجرد انتشارها.

ولهذا يبدأ التفكير النقدي بسؤال بسيط ولكنه جوهري:

ما الدليل؟


ليس المقصود بذلك أن نشك في كل شيء، وإنما أن نميز بين الدعوى والدليل عليها. فهناك فرق بين أن يقول شخص: «هذا صحيح»، وبين أن يقدم ما يسمح لنا باختبار صحة هذا القول.

وهنا تظهر قيمة «سننظر»: قبل أن نحكم، ننظر.

«سننظر» وإرجاء الحكم

العقل المتزن لا يعيش في حالة تصديق دائم ولا في حالة شك دائم. كلاهما يمكن أن يتحول إلى عائق أمام المعرفة.

التصديق غير النقدي يجعل الإنسان أسيرا لما يسمعه، والشك غير المنهجي يجعله عاجزا عن قبول أي حقيقة.

أما الموقف العقلي الأكثر نضجا فهو أن يقول:

لا أعلم بعد، فلننظر.

هذه الجملة ليست ضعفا في المعرفة، بل اعتراف بحدودها. وهي بداية البحث الحقيقي.

فحين نقول «سننظر»، فإننا نؤجل الحكم إلى أن تتوافر أسباب كافية للحكم. نبحث عن المصدر، نفحص الدليل، نقارن الروايات، نبحث عن التناقضات، ونحاول أن نعرف هل تتطابق الدعوى مع الواقع أم لا.

وهكذا يصبح تعليق الحكم مرحلة من مراحل المعرفة، لا هروبا منها.

والنظر هنا ليس فعل فرد واحد

ولعل في كلمة «سننظر» نفسها معنى يستحق التأمل.

فالفعل لم يأت بصيغة «سأنظر»، وإنما جاء بنون الجماعة: «سننظر».

ولا ينبغي تحميل الصيغة النحوية وحدها دلالة علمية قطعية لمجرد وجود نون الجماعة، لكن يمكن أن نستأنس بها في تأمل قيمة معرفية عميقة: الحقيقة لا تحتاج فقط إلى عقل يفكر، وإنما إلى عقول تتعاون في البحث والتحقق والمراجعة.

وهذا هو أحد أعظم أسرار العلم الحديث.

العلم لا يقوم على عبقرية فرد معزول يعلن اكتشافه ثم تصبح النتيجة حقيقة بمجرد أن قالها. بل يقوم على تراكم الجهود، وتبادل النتائج، وإعادة الفحص، والنقد، والمراجعة من الآخرين.

قد يخطئ عقل واحد.

وقد تخطئ تجربة واحدة.

وقد يفسر الباحث نتيجة بطريقة غير دقيقة.

وقد يتسلل إلى البحث تحيز لا ينتبه إليه صاحبه.

لكن عندما تدخل النتيجة في دائرة البحث العلمي، يستطيع باحثون آخرون أن يسألوا: هل يمكن إعادة التجربة؟ هل تظهر النتيجة نفسها؟ هل المنهج سليم؟ هل البيانات كافية؟ هل توجد تفسيرات أخرى؟

ومن هنا تأتي أهمية المراجعة العلمية من الأقران Peer Review، حيث تخضع الأبحاث قبل النشر للفحص والنقد من متخصصين آخرين.

فالعلم لا يقول: «صدقوني لأنني عالم».

بل يقول، في جوهره:

افحصوا ما فعلت، وأعيدوا اختبار ما توصلت إليه، وإذا وجدتم خطأ فبينوه.

وهذا يجعل المعرفة العلمية أقل اعتمادا على سلطة الشخص، وأكثر اعتمادا على قابلية النتيجة للفحص المستقل.

إن تضافر العقول لا يعني أن الأكثرية تكون دائما على حق، فالحق لا يثبت بالتصويت، وإنما يعني أن النتيجة العلمية تصبح أقوى عندما يستطيع أكثر من عقل، وباستخدام منهج مستقل، فحصها والوصول إلى نتائج متقاربة.

من «الخبر» إلى «الدليل»

التفكير النقدي لا يسأل فقط: ماذا قيل؟

بل يسأل:

من قاله؟

ما مصدره؟

ما الدليل عليه؟

هل الدليل مباشر أم غير مباشر؟

هل توجد تفسيرات أخرى؟

هل تتفق المعلومة مع الوقائع المعروفة؟

هل يمكن اختبارها؟

وما الذي يمكن أن يثبت خطأها؟

وهذه الأسئلة تحول الإنسان من مستقبل للمعلومات إلى باحث عن الحقيقة.

وهنا يلتقي التفكير النقدي مع التفكير العلمي.

كيف يعمل المنهج العلمي؟

لا يبدأ المنهج العلمي عادة بإجابة جاهزة، وإنما يبدأ من ملاحظة.

نلاحظ ظاهرة ما في العالم: جسم يسقط، مادة تتغير، نبات ينمو بطريقة معينة، مرض ينتشر بنمط محدد، أو ظاهرة فلكية تتكرر.

ثم يأتي السؤال:

لماذا تحدث هذه الظاهرة؟ وكيف تحدث؟

هنا يبدأ البحث عن تفسير. يجمع الباحث المعلومات السابقة، ويراجع ما توصل إليه الآخرون، ويحدد ما يعرفه وما لا يعرفه.

بعد ذلك يمكن أن يطرح فرضية، أي تفسيرا مقترحا للظاهرة يمكن اختباره.

لكن الفرضية ليست حقيقة لمجرد أنها تبدو منطقية.

وهنا تأتي الخطوة الحاسمة: الاختبار.

يصمم الباحث تجربة أو يجمع بيانات بطريقة تسمح له بمعرفة ما إذا كانت النتائج تتوافق مع الفرضية أم لا. ويحاول، قدر الإمكان، ضبط المتغيرات، وتكرار القياس، وتقليل مصادر الخطأ.

فإذا دعمت النتائج الفرضية، ازدادت قوتها بوصفها تفسيرا.

وإذا ناقضتها النتائج، وجب تعديلها أو رفضها والبحث عن تفسير أفضل.

ثم تأتي مرحلة تحليل النتائج ومقارنتها بما توصل إليه باحثون آخرون، وقد تخضع الدراسة للمراجعة من الأقران قبل نشرها.

وبعد النشر لا تنتهي العملية؛ إذ يستطيع باحثون آخرون إعادة التجربة واختبار النتيجة في ظروف مختلفة.

وهكذا تتحول المعرفة العلمية إلى عملية تراكمية:
ملاحظة، ثم سؤال، ثم بحث، ثم فرضية، ثم اختبار، ثم بيانات، ثم تحليل، ثم مراجعة، ثم تكرار، ثم نتيجة قابلة للمراجعة.

وهذه نقطة جوهرية: العلم لا يمنحنا معرفة قوية لأنه توقف عن السؤال، وإنما لأنه لا يتوقف عن الاختبار.

العلم لا يحمي أفكاره من النقد، بل يعرضها له

قد يبدو غريبا أن يكون أحد مصادر قوة العلم هو استعداده الدائم لاحتمال الخطأ.

لكن هذه هي الفكرة الأساسية.

النظر العلمي لا يبحث فقط عن الأدلة التي تؤيد فكرتنا، وإنما يجب أن نسأل أيضا:

ما الذي لو وجدناه سيجعلنا نعتقد أن هذه الفكرة خاطئة؟


وهنا نصل إلى فلسفة العلم عند كارل بوبر.

كارل بوبر واختبار القابلية للتكذيب

رأى الفيلسوف كارل بوبر أن من السمات المهمة للنظرية العلمية أن تكون قابلة للتكذيب Falsifiable؛ أي أن تكون هناك، من حيث المبدأ، ملاحظة أو تجربة يمكن أن تظهر أن النظرية خاطئة.

فالنظرية التي تفسر كل نتيجة ممكنة، ولا تسمح بأي اختبار يمكن أن يثبت خطأها، لا تقدم بالطريقة نفسها ادعاء علميا قابلا للاختبار.

القوة هنا ليست في أن النظرية «لا يمكن أن تخطئ»، وإنما في أنها تخاطر بأن تخطئ.

إذا قلت: «كل البجعات بيضاء»، فأنا أقدم دعوى يمكن اختبارها؛ يكفي العثور على بجعة سوداء لكي تتعرض الدعوى للتكذيب.

أما إذا صغت ادعاء بطريقة تجعله يتوافق مع كل نتيجة ممكنة، بحيث لا توجد أي ملاحظة يمكن أن تجعله خاطئا، فقد خرجت القضية من نطاق الاختبار التجريبي الذي يميز العلم.

وهنا يصبح السؤال البوبري قريبا جدا من روح «سننظر»:

ما الذي يمكن أن نراه حتى نعرف؟ وما الذي يمكن أن يختبر صدق هذه الدعوى أو يكشف خطأها؟

العلم إذن ليس مجموعة من الجمل التي منحت حصانة ضد النقد، وإنما عملية مفتوحة للفحص والتصحيح.

الحقيقة لا تخاف من الاختبار

وهنا تتضح أهمية التفكير النقدي في حياتنا اليومية أيضا.

عندما نسمع خبرا، لا ينبغي أن يكون سؤالنا الأول: هل يعجبني هذا الخبر؟

بل:

هل يمكن التحقق منه؟

وعندما نقرأ دراسة، لا يكفي أن نسأل عن النتيجة؛ بل نسأل عن المنهج والبيانات وطريقة القياس وحجم العينة وإمكان تكرار النتيجة.

وعندما نسمع تفسيرا لظاهرة، نسأل:

هل هذه فرضية يمكن اختبارها؟ وما النتيجة التي لو ظهرت ستجعلنا نرفضها؟

هذه الأسئلة تصنع عقلا أكثر استقلالا وأقل عرضة للتضليل.

«سننظر» ثقافة للعقل

ربما تكون القيمة الأعمق في هذه العبارة أنها تقدم لنا نموذجا كاملا للتعامل مع المعرفة:

لا تصدق بسرعة.

ولا تكذب بسرعة.

انظر.

ابحث.

اسأل.

حلل.

اختبر.

قارن.

اسمح للآخرين أن يراجعوا ما توصلت إليه.

وكن مستعدا لتغيير رأيك إذا ظهرت أدلة أقوى.

فالعقل الرشيد ليس العقل الذي يمتلك إجابة عن كل شيء، وإنما العقل الذي يعرف كيف يبحث عن الإجابة.

ومن هنا تصبح «سننظر» أكثر من مجرد موقف للتحقق من خبر؛ إنها دعوة إلى أخلاق معرفية كاملة: أن نضع الحقيقة فوق رغباتنا، والدليل فوق الانطباع، والبحث فوق التلقي، والمراجعة فوق السلطة، والواقع فوق ما نتمنى أن يكون واقعا.

والعلم في أرقى صوره هو تجسيد لهذه الروح: عقول متعددة تنظر في الظاهرة، وتبحث عن تفسيرها، وتضع الفروض، وتختبرها، وتراجع النتائج، وتسمح لغيرها بإعادة الفحص.

وفي النهاية، تظل المعرفة العلمية مفتوحة للتصحيح، لأن العالم أكبر من عقل فرد واحد.

ولهذا فإن «سننظر» تحمل معنى بالغ الحداثة في جوهرها: لن نحكم قبل أن نفحص، ولن نكتفي بأن نعتقد؛ سنبحث عن طريقة تمكننا من معرفة ما إذا كان اعتقادنا قابلا للاختبار أصلا.

وعند هذه النقطة يكتمل المعنى مع كارل بوبر: ما لا يمكن، من حيث المبدأ، أن يخضع لاختبار يمكن أن يكشف خطأه، لا يمكن التعامل معه بوصفه ادعاء علميا تجريبيا.

فالعلم لا يقول: «هذه هي الحقيقة لأننا قلناها».

بل يقول:

هذه أفضل معرفة لدينا حتى الآن، وهذه هي الأدلة التي تدعمها، وهذا هو الاختبار الذي يمكن أن يكشف خطأها، ولذلك يمكنكم أن تنظروا معنا.

سننظر.