ساويرس بن المقفّع (١/ ٤): حين صار اللاهوت القبطيّ يفكّر بالعربيّة

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
في القرن العاشر كانت الكنيسة القبطيّة تعيش تحوّلًا لغويًّا عميقًا. فقد ظلّت القبطيّة حاضرة في الصلاة والكتب والذاكرة الكنسيّة، بينما اتّسع استعمال العربيّة في الإدارة والحياة العامّة والثقافة، وصار عددٌ متزايد من الأقباط يقرأ ويكتب بها. ولم يبدأ التأليف القبطيّ بالعربيّة مع ساويرس بن المقفّع؛ فقد عرف القرن العاشر مؤلّفين أقباطًا كتبوا بالعربيّة قبله، ومنهم أبو إسحاق بن فضل الله، الذي نعرف له تأليفًا في القاهرة عام ٩٢٤–٩٢٥. غير أنّ ساويرس يمثّل مرحلةً جديدة بسبب حجم مشروعه وتنوّعه؛ فهو من أقدم الأقباط الذين وصلنا منهم إنتاج لاهوتيّ عربيّ واسع، جعل من العربيّة لغةً منتظمة للتفكير في العقيدة والكنيسة والكتاب المقدّس (١).

لا نعرف تاريخ ميلاده أو وفاته على وجه الدقّة. عُرف قبل الأسقفيّة بأبي البشر، وعمل كاتبًا في الإدارة، وهو ما يساعد على فهم تمكّنه من العربيّة وثقافتها. ثم دخل الحياة الرهبانيّة وصار أسقفًا للأشمونين في صعيد مصر. وتسمح لنا بعض الإشارات المؤرّخة بوضع القسم الأكبر من نشاطه الفكريّ والكنسيّ في النصف الثاني من القرن العاشر؛ فأحد مؤلّفاته مؤرّخ عام ٩٥٥، كما يظهر اسمه عام ٩٨٧ في سياق العلاقات بين الكنيسة القبطيّة والكنيسة السريانيّة (٢).

تكمن أهميّة ساويرس في أنّ التحوّل اللغويّ لم يكن عنده شأنًا ثقافيًّا خارجيًّا، فقد وصل إلى قلب الحياة الكنسيّة. لقد أصبحتْ قطاعاتٌ من الأقباط أقلّ قدرةً على فهم ما يُقرأ بالقبطيّة وما تحفظه الكتب القديمة، وتصف نصوصٌ منسوبة إلى ساويرس غلبة العربيّة على الناس وضعف معرفتهم بالقبطيّة. وهنا أصبحت اللغة مرتبطةً مباشرة بالتعليم: إذا كان المؤمن لا يفهم اللغة التي حُفظ بها جانب كبير من تراث كنيسته، فلا بدّ من إعادة تقديم هذا التراث باللغة التي صار يفهمها (٣). وكانت المهمّة أعقد من نقل مصطلحاتٍ من لغةٍ إلى أخرى، فالمفاهيم التي تحدّث بها الآباء عن الله والثالوث والتجسّد وطبيعة المسيح والاتّحاد احتاجتْ إلى صياغةٍ عربيّة دقيقة، في وقت كانت فيه تعبيراتٌ مثل «الجوهر» و«الأقنوم» و«الطبيعة» و«العلّة» و«البرهان» تتحرّك داخل الفلسفة وعلم الكلام والجدل الدينيّ. وقد بيّن رفايل فرج كيف استخدم ساويرس المصطلحات العربيّة المتداولة في عصره وأعاد إدخالها في بناءٍ لاهوتيّ قبطيّ له مرجعيّاته الخاصة (٤).

ولهذا فإن القول إن اللاهوت القبطيّ بدأ «يفكّر بالعربيّة» لا يعني تبدّل عقيدة الكنيسة. ما تغيّر هو الوسط اللغويّ الذي تُشرح فيه هذه العقيدة، ومعه طرائق العرض والاستدلال وصياغة المصطلح. فقد ظلّ الكتاب المقدّس والآباء، وخصوصًا أثناسيوس وكيرلس السكندريّ، حاضرين بقوّة في كتابات ساويرس، لكنّ التراث الذي تَشكّل على مرّ قرون باليونانيّة والقبطيّة صار يجد لنفسه بناءً عربيًّا يستطيع القارئ المصريّ في القرن العاشر أن يفهمه ويدخل من خلاله في النقاشات الفكريّة لعصره (٥). ويظهر اتّساع هذا المشروع في مؤلّفات ساويرس نفسها. فينسب إليه أبو البركات ابن كَبَر ستةً وعشرين كتابًا، ووصلتْ إلينا عناوين أخرى في المخطوطات والفهارس، مع بقاء مشكلاتٍ في نسبة بعض الأعمال إليه. كتب ساويرس في التوحيد والثالوث والاتّحاد والتجسّد وتفسير قانون الإيمان، وفي الكتاب المقدّس والمجامع والخلافات بين الكنائس، وفي الكهنوت والقانون والاعتراف، كما ألّف في الأخلاق وتدبير النفس. ومن أشهر ما نُسب إليه «مصباح العقل» و«الدرّ الثمين في إيضاح الدين» و«كتاب المجامع» و«طبّ الغم وشفاء الحزن» (٦).

ويحتلّ «مصباح العقل» مكانةً خاصّة في هذا المشروع. فالكتاب يعرض مسائل أساسيّة من العقيدة المسيحيّة بالعربيّة، ويعتمد الحجّة العقليّة والاستشهاد بالكتاب المقدّس والتراث الكنسيّ في شرح الإيمان. وقد رأى الأب سيدني جريفيث فيه شاهدًا مهمًّا على الطريقة التي أخذ بها قانون الإيمان المسيحيّ شكلًا عربيًّا في مصر القرن العاشر. فساويرس يصوغ بالعربيّة نسقًا من الأسئلة والأجوبة والبراهين يستطيع أن يعمل داخل المجال الفكريّ العربيّ مع احتفاظه بالمرجعيّة القبطيّة التي ينطلق منها (٧).

كما أن كتابات ساويرس لا تتّجه إلى المسلمين وحدهم. فقد ألّف في الخلافات بين المسيحيّين، وردّ على سعيد بن بطريق، البطريرك الملكيّ في الإسكندريّة، وناقش نسطور وأتباعه وقضايا الاتّحاد والتجسّد والمجامع. وهكذا صارت العربيّة لغةً يستطيع بها القبطيّ أن يشرح عقيدته للمسلم واليهوديّ، وأن يناقش بها أيضًا المسيحيّ المختلف معه. ودخلت الخلافات الكنسيّة القديمة نفسها إلى المجال العربيّ، وصارت مصر المسيحيّة جزءًا من ثقافةٍ دينيّة تتجادل بلغتها المشتركة مع بقاء الاختلافات العقيديّة بين جماعاتها (٨).

لذلك لا تفيدنا كثيرًا محاولة منح ساويرس لقب «أوّل قبطيّ كتب بالعربيّة». لأنّه لدينا شواهد على تأليفٍ قبطيّ عربيّ أقدم، وضياع كثير من النصوص يجعل الحديث عن «الأوّل» شديد الصعوبة. تكمن أهميّته التاريخيّة في موضعٍ آخر: معه نجد واحدًا من أقدم المشاريع القبطيّة العربيّة الكبيرة التي بقيت لنا، مشروعًا شمل العقيدة والكتاب المقدّس والجدل الكنسيّ والقانون والأخلاق. لقد أصبحت العربيّة لغةً تستطيع الكنيسة القبطيّة أن تشرح بها نفسها لنفسها، وأن تحمل بها تراثها إلى عالم جديد.

في الحلقة القادمة سنفتح مكتبة ساويرس نفسها: ماذا كتب؟ وما الذي وصل إلينا؟ وما الذي فُقد؟ وما الأعمال التي تثير نسبتها إليه مشكلاتٍ تاريخيّة، وفي مقدّمتها القضية الشهيرة المتعلّقة بـ«تاريخ البطاركة»؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ