يحيى بن عدي: حين أصبح المسيحيّ فيلسوفًا عربيًّا
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
في الحلقة السابقة رأينا كيف شارك مترجمون مسيحيّون، وفي مقدّمتهم حُنَين بن إسحاق ودائرته، في نقل الطبّ والفلسفة والمنطق إلى العربيّة. لكنّ الترجمة لم تكن نهاية القصّة. فبعد أجيال قليلة ظهر في بغداد مسيحيّ أصبح هو نفسه واحدًا من فلاسفة العربيّة الكبار. اسمه أبو زكريّا يحيى بن عَديّ التكريتيّ، عاش بين نحو ٨٩٣ و٩٧٤. ومعه ندخل مرحلةً جديدة من التراث العربيّ المسيحيّ: المسيحيّ بالإضافة إلى كونه مترجمًا يقف بين ثقافتين، صار يفكّر ويجادل ويؤلّف ويعلّم من داخل الثقافة الفلسفيّة العربيّة نفسها[١].
وُلد يحيى في تكريت، في أسرةٍ مسيحيّة سريانيّة أرثوذكسيّة، ثمّ استقر في بغداد، العاصمة التي كانت تجمع في القرن العاشر النحاة والمتكلّمين والأطباء والفلاسفة والمترجمين والورّاقين. قرأ المنطق والفلسفة على المسيحيّ أبي بشر متّى بن يونس، أحد كبار مترجمي أرسطو ومعلّمي المنطق في بغداد. وتذكر المصادر القديمة أنه قرأ أيضًا على الفارابي، بينما تتحفّظ بعض الدراسات الحديثة قليلًا في تحديد طبيعة هذه الصلة وتراه تلميذًا أو معاصرًا قريبًا منه. وما لا شكّ فيه أن يحيى صار بعد هذا الجيل أحد أبرز وجوه المدرسة الأرسطيّة البغداديّة، حتّى وصفه ابن أبي أصيبعة بأنّه الرجل الذي «انتهتْ إليه الرئاسة ومعرفة العلوم الحكميّة في وقته»[٢]. وتؤكد الدراسات الحديثة أهميته بوصفه منطقيًّا ومترجمًا وشارحًا لأرسطو، وليس ببساطةٍ لاهوتيًّا مسيحيًّا قرأ شيئًا من الفلسفة. وكان يحيى رجلَ كتب بالمعنى الحرفيّ للكلمة. يروي ابن النديم أنه قابله في سوق الورّاقين ببغداد وعاتبه على كثرة النسخ، فأجابه يحيى بأنه نسخ بخطه نسختين كاملتين من "تفسير الطبريّ" وأرسلهما إلى ملوك الأطراف، ثم أضاف: «وقد كتبتُ من كتب المتكلّمين ما لا يُحصى». والرواية طريفة، لكن دلالتها أكبر من الطرافة: فيلسوفٌ مسيحيّ سريانيّ ينسخ بيده تفسيرًا إسلاميًّا ضخمًا للقرآن في سوق الكتب البغداديّ. هكذا كانت الثقافة يومئذ أكثر تشابكًا من الصور الطائفيّة البسيطة التي نرسمها لها أحيانًا. لم تكن توجد مكتبة «مسيحيّة» مغلقة في مواجهة مكتبة «إسلاميّة» مغلقة، فقد كانت الكتب تنتقل بين أيدي النساخ والدارسين والرعاة داخل عالم عربي واحد[٣].
لكن أهميّة يحيى لا تأتي من كثرة ما نسخ أو ترجم. فقد ظلّ زمنًا طويلًا معروفًا أساسًا بصفته مترجمًا ولاهوتيًّا، حتى غيّر اكتشاف مجموعةٍ مهمّة من رسائله الفلسفيّة في مخطوطات طهران صورة الرجل. وفي عام ١٩٧٧ نشر المستعرب الألماني جيرهارد إندرس Gerhard Endress جرده التحليلي لأعمال يحيى، ثم جمع سحبان خليفات عام ١٩٨٨ عددًا مهمًّا من مقالاته الفلسفيّة وحققها. فإذا بنا أمام مؤلف يكتب في المنطق، والطبيعة، والميتافيزيقا، والموجودات، والجزء الذي لا يتجزأ، والمكان والخلاء، والنفس، والأخلاق، إلى جانب اللاهوت المسيحي. لم يكن يحيى رجلًا يستعير الفلسفة عند الحاجة إلى الدفاع عن الثالوث، ولكنّه كان "فيلسوفًا بالمعنى المهني للكلمة"[٤].
ومن النصوص الصغيرة التي تكشف طريقته مقالته «في تبيين الفصل بين صناعتي المنطق الفلسفيّ والنحو العربي». خلف هذه المقالة جدل شهير شهدته بغداد حول علاقة المنطق اليوناني بالنحو العربي: هل يحتاج العربي إلى منطق أرسطو، أم إن العربية ونحوها يكفيان لضبط التفكير؟ لم يتعامل يحيى مع المسألة بوصفها حربًا بين اليونان والعرب، ولكنّه حاول أن يحدد وظيفة كل علم. فالنحو يهتم بالألفاظ من حيث صحة استعمالها بحسب لغة العرب، أمّا المنطق فينظر إلى الألفاظ من حيث دلالتها وإمكان تركيبها للوصول إلى حكم صحيح. ولذلك يقول: «موضوع صناعة المنطق هو الألفاظ الدالّة لا الألفاظ على الإطلاق»[٥]. الفكرة بسيطة لكنها مهمّة: أن تكون الجملة صحيحة نحويًّا لا يعني بالضرورة أن الحجة التي تحتويها صحيحة منطقيًّا. والمنطق لا ينافس العربية، كما أن النحو لا يغني عن التفكير في صدق البرهان.
هنا نرى شيئًا جديدًا جدًا في قصّتنا. أبو قرّة وأبو رائطة وعمّار البصري استخدموا المنطق للدفاع عن الإيمان المسيحيّ. أمّا يحيى فيكتب الآن عن "المنطق نفسه"، وحدوده وعلاقته باللغة. ويترجم ويصحح كتب أرسطو، ثم يكتب هو أيضًا مسائل فلسفيّة مستقلة. وفي «مقالة في الموجودات» مثلًا يتحدث عن الخالق بوصفه «عاقلًا ذاته على غاية الحقيقة»، ويبحث فلسفيًّا في علاقته بسائر الموجودات، واصفًا إياه بأنه علّة وجود ما سواه. إننا هنا لسنا داخل عظة كنسيّة، بل في قلب الميتافيزيقا العربيّة التي كان يناقش مسائلها المسلم والمسيحي معًا[٦]. ولم تكن مدرسة يحيى جماعة مسيحيّة مغلقة. ارتبطت به شبكة من الدارسين والمترجمين والفلاسفة من خلفيات مختلفة، ومن تلامذته أو المحيطين بمدرسته ابن زرعة، وابن الخمّار، وابن السمح، كما ارتبط الوسط نفسه بأبي سليمان السجستاني وأبي حيّان التوحيدي وغيرهما. لهذا يصعب أحيانًا حين نقرأ فلسفة بغداد في القرن العاشر أن نرسم خطًا يفصل «الفلسفة المسيحيّة» عن «الفلسفة الإسلاميّة» كما لو كانتا عالمين لا يلتقيان. كان الاختلاف الديني موجودًا وحقيقيًّا، لكن أدوات التفكير، والكتب التي تُقرأ، والمصطلحات التي تُناقش، ومجالس التعليم كانت متشابكة إلى حد بعيد.
ولم يترك يحيى مسيحيّته عند باب مجلس الفلسفة، هنا تكمن فرادته. فالأداة الفلسفيّة التي يستخدمها لشرح المنطق أو الموجودات يعود فيستخدمها حين يفكر في الله والثالوث والتجسد. ولهذا اختار الأب إميليو بلاتّي الدومنيكانيّ عنوانًا بالغ الدقة لدراسته الكبرى عنه: Yahyâ Ibn ʿAdî, théologien chrétien et philosophe arabe، أي «يحيى بن عَدي، لاهوتيٌّ مسيحي وفيلسوف عربيّ». لم يكن أحد الوصفين ملحقًا بالآخر. نشر بلاتّي كذلك في أربعة مجلدات جدله الكبير ضد النسطوريّة، ودرس ردوده على أبي عيسى الورّاق، فظهر أن العربيّة لم تصبح عند يحيى لغة الحوار مع المسلمين فقط؛ لقد أصبحت أيضًا اللغة التي يناقش بها المسيحيون بعضهم بعضًا في أدق قضايا التجسد والكريستولوجيا[٧].
وهذا هو السبب في أن يحيى بن عدي محطّة أساسيّة في هذه السلسلة. مع حنين بن إسحاق رأينا مسيحيًّا ينقل المعرفة القديمة إلى العربيّة؛ ومع يحيى نرى مسيحيًّا "ينتج معرفة جديدة بالعربيّة". لقد أصبحت العربيّة البيتَ الذي يجلس فيه فيلسوفٌ مسيحي ويسأل بلغتها عن المنطق والنفس والموجود والله والإنسان.
لكن أصعب سؤال فلسفي واجهه يحيى كان أيضًا أكثر الأسئلة حسّاسيّة دينيًّا. فالعالم الذي يعيش فيه يعلن أن الله واحد، والمسيحي يقول الشيء نفسه، ثم يتحدث عن الآب والابن والروح القدس. فما معنى «واحد» أصلًا؟ وهل كل وحدة تعني غيابَ أيّ تمييز من أيّ نوع؟
هذا بالضبط هو السؤال الذي وضعه يحيى في قلب واحدٍ من أهمّ كتبه.
في الحلقة القادمة: هل يناقض الثالوثُ التوحيد؟ يحيى بن عدي وسؤال «الواحد».
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





