من سؤال أرسطو عن المبدعين إلى كآبة هايدغر الوجودية
محمد المصرى
هناك سؤال قديم يطل علينا كلما حاولنا فهم الإنسان الاستثنائي: لماذا يبدو أن كثيرًا ممن تركوا أثرًا عميقًا في الفلسفة أو الشعر أو الفن أو السياسة كانوا يحملون في داخلهم قدرًا من القلق أو الحزن أو الميل إلى التأمل؟
هل الحزن شرط للإبداع؟
هل يمكن أن تكون الكآبة مصدرًا للعبقرية؟
وهل الإنسان المبدع يرى العالم بطريقة مختلفة لأنه أكثر حزنًا، أم أنه يصبح حزينًا لأنه يرى من العالم ما لا يراه الآخرون؟
هذه الأسئلة ليست جديدة. والمثير أن هايدغر، حين يتحدث عن العلاقة بين الإبداع والكآبة، لا يبدأ من علم النفس الحديث، ولا يحاول أن يثبت أن العبقرية مرض نفسي، وإنما يعود إلى سؤال أقدم بكثير: سؤال أرسطو عن سبب ظهور كثير من أصحاب الإنجازات الاستثنائية في حالة من melancholia، أي الكآبة أو السوداوية.
يقول أرسطو في السؤال الشهير المنسوب إلى Problemata: لماذا يبدو أن الرجال الذين أصبحوا استثنائيين في الفلسفة أو السياسة أو الشعر أو الفنون كانوا، على نحو ما، ميلانكوليين؟ ثم يستحضر أسماء مثل إمبيدوقليس وسقراط وأفلاطون.
لكن من المهم جدًا أن نفهم طبيعة هذا السؤال.
أرسطو لا يقول ببساطة: كل عبقري مكتئب، وكل مكتئب عبقري.
وهذه نقطة جوهرية؛ لأن تحويل الفكرة إلى هذه المعادلة الحديثة يفسد معناها الفلسفي تمامًا.
إنه يسأل عن علاقة محتملة بين نمط من المزاج الإنساني وبين القدرة على تجاوز المألوف.
وهنا يبدأ هايدغر في نقل السؤال إلى مستوى آخر.
فالمسألة عنده لم تعد: ما المرض الذي يعاني منه الفيلسوف؟ وإنما: في أي مزاج وجودي يجد الإنسان نفسه عندما يصبح العالم، بدل أن يكون شيئًا مألوفًا ومسلمًا به، موضع سؤال؟
أرسطو: لماذا يظهر الاستثنائي في صحبة الميلانكوليا؟
كان مفهوم الميلانكوليا في العالم القديم مختلفًا عن مفهوم “الاكتئاب” كما نفهمه اليوم. لم يكن أرسطو يتحدث عن تشخيص سريري بالمعنى الحديث، بل عن مزاج أو استعداد، مرتبط في التصورات القديمة بما كان يسمى السوداء أو melancholic temperament.
واللافت في السؤال الأرسطي أنه لا يتوقف عند المرض، بل يلاحظ شيئًا أكثر إثارة:
هناك أشخاص لا يكتفون بأن يعيشوا الحياة كما هي، بل يحاولون أن يفهموا ما وراءها.
الفيلسوف لا يكتفي بالسؤال عن الأشياء، بل يسأل: لماذا توجد الأشياء أصلًا؟
والشاعر لا يصف العالم كما يراه الجميع، بل يعيد تشكيله بالكلمات.
والفنان لا يكرر الواقع، وإنما يجعلنا نراه بطريقة لم ننتبه إليها من قبل.
والعالم لا يكتفي بالمعلومات المتاحة، بل يشعر بأن وراء الظاهرة سؤالًا آخر.
إذن، ربما لا يكون العامل المشترك بينهم هو “الحزن” بمعناه المرضي، وإنما عدم الاكتفاء.
إنهم لا يستطيعون ببساطة أن يقولوا: هكذا هي الأشياء، وينتهوا.
وهذا هو الجانب الأكثر أهمية في سؤال أرسطو.
لكن هل الكآبة تصنع العبقرية؟
هنا ينبغي أن نكون حذرين.
لا توجد قاعدة تقول إن الإنسان لكي يكون مبدعًا يجب أن يكون مكتئبًا، ولا أن المرض النفسي يؤدي تلقائيًا إلى العبقرية. بل إن الخلط بين الاكتئاب السريري والميلانكوليا الفلسفية قد يؤدي إلى رومانسية خطرة للمرض النفسي.
الاكتئاب المرضي قد يدمّر القدرة على التركيز والعمل والإبداع، وقد يجعل الإنسان عاجزًا عن ممارسة الأشياء التي يحبها.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:
“هل الاكتئاب يجعل الإنسان عبقريًا؟”
بل ربما:
“هل هناك حالات مزاجية تجعل الإنسان أكثر استعدادًا للتساؤل، والتأمل، وإعادة النظر في العالم؟”
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا.
هايدغر: المزاج ليس شيئًا يحدث لنا من الخارج
ما يفعله هايدغر هو أنه يتجاوز التفسير النفسي التقليدي.
فالإنسان، عنده، لا يعيش العالم باعتباره مجموعة من الأشياء المحايدة التي يقف خارجها ثم يقوم بتحليلها. نحن دائمًا منخرطون في العالم، نعيشه من خلال حالات ومزاجات تكشف لنا الأشياء بطريقة معينة.
الخوف يجعل العالم مختلفًا.
والفرح يجعله مختلفًا.
والحب يجعله مختلفًا.
والقلق يجعله مختلفًا.
وكذلك الكآبة.
المزاج، بهذا المعنى، ليس مجرد شعور داخلي يجلس في مكان ما داخل الإنسان بينما يبقى العالم خارجه كما هو. المزاج يغيّر كيفية انكشاف العالم لنا.
حين نكون سعداء، تبدو أشياء عادية فجأة ذات معنى.
وحين نكون حزانى، قد يبدو العالم نفسه أثقل، أكثر صمتًا، وأقل بداهة.
وحين نمر بلحظة وجودية عميقة، قد نشعر بأن الأشياء التي اعتدنا اعتبارها طبيعية أصبحت غريبة ومثيرة للسؤال.
وهنا تكمن أهمية هايدغر.
فالفلسفة، في نظره، لا تبدأ فقط عندما نمتلك معلومات أكثر، وإنما عندما يتغير شكل حضور العالم بالنسبة إلينا.
لماذا لا يكتفي الفيلسوف بما هو بديهي؟
الإنسان العادي يستطيع أن يعيش داخل العالم دون أن يسأل باستمرار عن أساسه.
نحن نستيقظ، نذهب إلى العمل، نتحدث، نستخدم الأشياء، نلتزم بالعادات، ونفترض أن العالم “موجود كما هو”.
وهذا ضروري للحياة اليومية.
لكن الفلسفة تبدأ في اللحظة التي يتوقف فيها شيء ما عن كونه بديهيًا.
فجأة يسأل الإنسان:
ما معنى أن أكون موجودًا؟
لماذا أعتقد أن هذا صحيح؟
هل ما أعتبره حقيقة هو بالفعل حقيقة؟
هل اللغة التي أستخدمها تصف العالم، أم أنها تشكّل الطريقة التي أراه بها؟
هل الأخلاق موجودة في العالم، أم أننا نحن الذين نمنح الأشياء قيمة أخلاقية؟
هل ما نسميه “أنا” ثابت حقًا، أم أن الذات نفسها عملية مستمرة؟
هذه الأسئلة لا تظهر عادةً لأن الإنسان جمع معلومات أكثر، وإنما لأن علاقته بالمألوف تغيرت.
وهنا يمكن فهم ما يقصده هايدغر حين يربط الفلسفة بمزاج أساسي من الكآبة.
الكآبة ليست الحزن
وهنا يجب التمييز مرة أخرى.
الكآبة التي يتحدث عنها هايدغر ليست بالضرورة البكاء، ولا اليأس، ولا المرض النفسي.
إنها أقرب إلى حالة من الانكشاف الوجودي.
حالة يشعر فيها الإنسان بأن العالم ليس مكتمل الوضوح، وأن الأشياء التي اعتاد أن يمر عليها دون تفكير تحمل في داخلها سؤالًا.
قد تكون الكآبة هنا هي الشعور بأن هناك شيئًا لا يمكن اختزاله في الإجابات الجاهزة.
إنها ليست بالضرورة أن تقول:
“أنا حزين.”
بل قد تكون:
“هناك شيء في الوجود لا أفهمه بعد.”
وهذا فرق هائل.
فالإنسان الذي يعيش هذه الحالة لا ينظر إلى العالم بوصفه شيئًا مغلقًا، بل بوصفه شيئًا مفتوحًا على إمكانات وأسئلة أخرى.
لماذا يستحضر هايدغر أرسطو إذن؟
لأن أرسطو كان قد لمس المشكلة نفسها قبل أكثر من ألفي عام.
لقد لاحظ أن الأشخاص الذين تجاوزوا المألوف كثيرًا ما ارتبطوا بنمط من المزاج غير العادي.
لكن هايدغر لا يريد ببساطة إعادة إنتاج تفسير أرسطو الطبي أو الأخلاقي.
إنه يستعيد السؤال القديم لكي يعيد صياغته فلسفيًا.
فبدل أن نسأل:
“ما الذي يجعل سقراط مكتئبًا؟”
يمكن أن نسأل:
“ما نوع الانفتاح على العالم الذي جعل سقراط غير قادر على الاكتفاء بما يعرفه الناس؟”
وبدل أن نسأل:
“هل كان أفلاطون حزينًا؟”
نسأل:
“لماذا لم يكن أفلاطون مستعدًا لقبول الواقع الظاهر باعتباره الحقيقة النهائية؟”
وبدل أن نسأل:
“هل كانت معاناة إمبيدوقليس سبب عبقريته؟”
نسأل:
“ما الذي جعل هؤلاء الأشخاص يرون وراء الظاهر ويحولون تجربتهم مع العالم إلى فلسفة أو شعر أو فن؟”
وهنا تتحول المسألة من علم نفس الشخصية إلى أنطولوجيا الإنسان؛ أي إلى سؤال عن طبيعة وجود الإنسان نفسه.
سقراط مثالًا: الإنسان الذي لا يستطيع أن يتوقف عن السؤال
يمكن أن نفهم سقراط من هذه الزاوية بطريقة مثيرة جدًا.
كان يمكن لسقراط أن يعيش مثل غيره من مواطني أثينا: يشارك في الحياة السياسية والاجتماعية، ويقبل الأفكار المتداولة، ويتعامل مع المعرفة كما لو أنها شيء مكتمل.
لكنه لم يفعل.
كان يعود دائمًا إلى السؤال.
ما العدالة؟
ما الفضيلة؟
ما المعرفة؟
ماذا يعني أن يكون الإنسان حكيمًا؟
وكانت المفارقة أن سقراط لم يقدم نفسه باعتباره صاحب الإجابات النهائية، بل اشتهر أكثر بقدرته على كشف جهل الآخرين وجعلهم يدركون أنهم لا يعرفون.
وهنا تظهر وظيفة المزاج الفلسفي بوضوح:
الفلسفة تبدأ أحيانًا عندما يفقد الإنسان راحته مع الإجابة السهلة.
أفلاطون: تجاوز العالم الذي نراه
وعند أفلاطون يصبح الأمر أكثر وضوحًا.
العالم المحسوس، بالنسبة إلى فلسفته، ليس ببساطة كل ما يوجد. وراء الأشياء المتغيرة توجد مسألة الحقيقة الثابتة.
مرة أخرى نجد الإنسان الذي لا يكتفي بالظاهر.
ما نراه ليس بالضرورة كل ما هو موجود.
وما نعتقد أنه الحقيقة قد يكون مجرد مستوى أول منها.
وهذا بالضبط هو أحد أسرار الإبداع الفكري:
القدرة على الشك في أن الصورة الأولى التي يقدمها لنا الواقع هي الصورة الأخيرة.
الفيلسوف يفعل ذلك بالمفاهيم.
والفنان يفعله بالصورة.
والشاعر يفعله باللغة.
والعالم يفعله بالنظرية.
لكن العملية العميقة واحدة:
رفض الاكتفاء بما هو ظاهر.
من هنا يمكن فهم العلاقة بين الكآبة والإبداع
إذا كانت الكآبة هنا تعني حالة من عدم الاكتفاء بالمألوف، يصبح من الممكن فهم لماذا يمكن أن تتقاطع مع الإبداع.
المبدع يرى أن العالم ليس مغلقًا.
يرى احتمالًا آخر.
صياغة أخرى.
سؤالًا جديدًا.
علاقة لم يلاحظها الآخرون.
لكن هذا لا يعني أن الكآبة هي “وقود” الإبداع، ولا أن المعاناة شرط له.
الأدق أن نقول إن بعض الحالات المزاجية قد تجعل الإنسان أكثر حساسية لما هو غائب أو مسكوت عنه أو غير محسوم.
وهذه الحساسية يمكن أن تتحول إلى إبداع إذا امتلك الإنسان القدرة على العمل والتفكير والتشكيل.
فالمزاج وحده لا يصنع فلسفة.
والحزن وحده لا يصنع قصيدة.
والقلق وحده لا يصنع نظرية علمية.
هناك شيء آخر يجب أن يحدث:
أن يتحول الشعور إلى سؤال، والسؤال إلى تفكير، والتفكير إلى عمل.
ولهذا يقول هايدغر إن الكآبة تتعلق بالشكل أكثر من المحتوى
هذه واحدة من أكثر النقاط إثارة في المقطع.
هايدغر لا يقول إن الفلسفة يجب أن تتحدث عن الحزن.
الكآبة ليست موضوع الفلسفة.
قد يتحدث الفيلسوف عن الوجود، أو الزمن، أو الحقيقة، أو الموت، أو اللغة، أو الحرية، دون أن تكون “الكآبة” هي موضوعه المباشر.
لكن الكآبة قد تحدد الطريقة التي يظهر بها السؤال.
إنها ليست الإجابة.
وليست الموضوع.
إنها أشبه بالجو الوجودي الذي يجعل بعض الأسئلة ممكنة.
فالسؤال الواحد يمكن أن يظهر بطرق مختلفة تبعًا إلى المزاج الذي يعيشه الإنسان.
يمكن لشخص أن يسأل:
“ما الموت؟”
بوصفه سؤالًا بيولوجيًا.
ويمكن لآخر أن يسأل:
“ماذا يعني أن يكون وجودي محدودًا بالموت؟”
هنا لم يتغير موضوع السؤال فقط، بل تغير العالم الذي انفتح منه السؤال.
إذن: ماذا يجعل الإنسان قادرًا على تجاوز المألوف؟
ربما لا توجد إجابة واحدة.
لكن يمكننا أن نستخلص من أرسطو وهايدغر مجموعة من العناصر:
أولًا: عدم الاكتفاء.
أن يشعر الإنسان بأن الإجابات السائدة لا تكفي.
ثانيًا: الدهشة.
أن يستطيع النظر إلى الأشياء المألوفة كما لو أنه يراها للمرة الأولى.
ثالثًا: القلق أو عدم اليقين.
ليس بمعنى المرض، وإنما بمعنى عدم القدرة على إغلاق السؤال قبل أوانه.
رابعًا: القدرة على تحمل الغموض.
فالشخص المبدع يستطيع أن يعيش فترة طويلة دون إجابة نهائية.
خامسًا: الخيال.
أن يرى ما يمكن أن يكون، لا ما هو موجود فقط.
سادسًا: العمل.
وهذه النقطة حاسمة؛ لأن الأفكار وحدها لا تصنع إبداعًا. يجب تحويلها إلى فلسفة أو نظرية أو قصيدة أو لوحة أو اكتشاف.
وربما تكون المفارقة الأكبر هنا
نحن عادةً نتصور أن السعادة هي أن يصبح العالم واضحًا، وأن الحزن هو أن يصبح العالم غامضًا.
لكن هايدغر يقترح شيئًا أكثر تعقيدًا:
ربما يكون بعض الوضوح الفكري ناتجًا عن القدرة على تحمل الغموض.
الإنسان الذي يريد إجابة فورية لكل شيء قد يغلق السؤال قبل أن يبدأ.
أما الإنسان الذي يستطيع أن يقول:
“لا أعرف.”
ثم يضيف:
“لكنني أريد أن أعرف.”
فقد بدأ بالفعل في التفلسف.
وهنا تلتقي الفلسفة بالإبداع.
فالإبداع ليس مجرد إنتاج شيء جديد، بل هو القدرة على عدم اعتبار الموجود هو الإمكان الوحيد.
هل كان أرسطو يتحدث عن العبقرية كما نفهمها اليوم؟
ليس تمامًا.
وهذه نقطة مهمة حتى لا نحمّل النص القديم مفاهيم حديثة.
أرسطو لم يكن يستخدم مفهوم “العبقرية” بالمعنى الرومانسي الحديث الذي ظهر لاحقًا في تاريخ الفكر الأوروبي.
وحتى حين يتحدث عن أصحاب الإنجازات الاستثنائية، فهو يحاول تفسير علاقة بين المزاج والاستثناء، وليس بناء نظرية حديثة تقول إن الاضطراب النفسي شرط للموهبة.
لذلك فإن القراءة الأكثر دقة للمقطع ليست:
العباقرة مكتئبون.
بل:
لماذا تتكرر بعض الأنماط المزاجية لدى أشخاص يعيشون بطريقة استثنائية من التفكير والإبداع؟
وهذا السؤال، في حد ذاته، أكثر إثارة من الإجابة السطحية.
من أرسطو إلى هايدغر: السؤال نفسه تغير
أرسطو يبدأ من ملاحظة عن أشخاص استثنائيين ومزاجهم.
هايدغر ينقل السؤال إلى الإنسان نفسه.
لم يعد السؤال:
لماذا كان هؤلاء العباقرة ميلانكوليين؟
بل:
ما الحالة التي تجعل الإنسان قادرًا على أن ينفتح على الوجود بطريقة تتجاوز الاستخدام اليومي للأشياء؟
وهنا تصبح الفلسفة نفسها نشاطًا إبداعيًا.
فالإنسان لا يبدأ في التفلسف عندما يحفظ أسماء الفلاسفة، ولا عندما يستطيع تكرار نظرياتهم.
إنه يبدأ عندما يصبح وجوده نفسه سؤالًا.
عندما يتوقف عن التعامل مع العالم باعتباره أمرًا مفروغًا منه.
عندما يسأل لماذا؟
وعندما يكتشف أن وراء كل إجابة تقريبًا سؤالًا آخر.
وفي النهاية، ربما لا تكون الكآبة أمّ العبقرية
الأدق أن نقول شيئًا أكثر تواضعًا وأكثر عمقًا:
ليست الكآبة هي التي تصنع المبدع، لكن القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون قد تجعل الإنسان أقل انسجامًا مع بساطة العالم المألوفة.
المبدع قد يكون سعيدًا أو حزينًا، اجتماعيًا أو منعزلًا، متفائلًا أو متشائمًا.
لكن ما يجمع كثيرًا من الفلاسفة والمبدعين ليس مرضًا واحدًا ولا مزاجًا واحدًا، وإنما قدرة استثنائية على إعادة فتح ما أغلقه الآخرون.
أن يسألوا السؤال الذي توقفنا عن طرحه.
أن يروا الغريب في المألوف.
أن يشكوا في البداهة.
أن يشعروا بأن الواقع، رغم اعتيادنا عليه، لا يزال يحمل شيئًا لم نفهمه.
وهنا ربما تكمن قيمة استدعاء هايدغر لأرسطو.
فهايدغر لا يستدعي أرسطو لكي يقول لنا إن الحزن يصنع العبقرية، بل لكي يذكرنا بأن العلاقة بين المزاج، والتفكير، والإبداع أقدم من علم النفس الحديث نفسه.
السؤال ظل يتغير عبر القرون، لكن جوهره بقي حيًا:
ما الذي يجعل إنسانًا ما غير قادر على الاكتفاء بالعالم كما وجده؟
ربما يكون ذلك هو أصل الفلسفة.
وربما يكون، في الوقت نفسه، أحد أصول الإبداع.
فالإنسان المبدع لا يعيش بالضرورة في عالم مختلف عن عالمنا؛ إنه يعيش في العالم نفسه، لكنه يرفض أن يراه بالطريقة نفسها التي اعتدنا أن نراه بها.
ومن هذه المسافة الصغيرة بين ما هو موجود وما يمكن أن يكون، تبدأ الأسئلة.
ومن الأسئلة تبدأ الفلسفة.
ومن القدرة على تخيل إجابة لم توجد بعد، يبدأ الإبداع.
وهكذا لا تصبح الكآبة أمّ العبقرية، بل يصبح عدم الاكتفاء بالمألوف أحد الشروط العميقة التي تجعل الإنسان قادرًا على أن يسأل، وأن يشك، وأن يتخيل، وأن يخلق.






