بقلم نادية هنرى

نائبة برلمانية سابقة
هناك أفكار تولد في وقتها.
 
وهناك أفكار تولد قبل وقتها.
 
وهناك أفكار نكتشف بعد سنوات أننا لم نكن نملك رفاهية تجاهلها.
 
منذ ما يقرب من عشر سنوات، وتحديدًا في تجربة «افصلها»، طرحنا نحن النائبتين شيرين فراج ونادية هنري فكرة تبدو اليوم أكثر إلحاحًا مما كانت عليه وقتها:
 
لماذا نتعامل مع القمامة باعتبارها عبئًا، بينما يمكن أن تكون مصدر دخل وصناعة وفرص عمل؟
 
لم تكن الفكرة أن نضع صناديق جديدة في الشوارع، ولا أن ننقل القمامة من مكان إلى آخر.
 
كانت الفكرة أبسط وأعمق:
افصل القمامة من المنبع… واجعل للمخلف قيمة.
 
أن يعرف المواطن أن ما يلقيه في سلة المهملات ليس كله "زبالة".
 
هناك ورق.
 
هناك بلاستيك.
 
هناك زجاج.
 
هناك معادن.
 
وهناك أشياء يمكن أن تتحول من مخلفات إلى خامات، ومن خامات إلى صناعة، ومن صناعة إلى قيمة مضافة وفرص عمل وعملة صعبة.
ومن هنا جاءت فكرة أكشاك شراء المخلفات المفروزة من المواطنين.
 
لم تكن الفكرة "كشك قمامة"
 
الكشك كان مجرد نقطة في منظومة اقتصادية كاملة.
 
المواطن يفصل.
 
والكشك يشتري.
 
والخامة تذهب إلى مصانع التدوير.
 
والمصنع يعيد إنتاجها.
 
والدولة تكسب نظافة.
 
والمواطن يحصل على عائد.
 
والشباب يجد فرصة عمل.
 
والاقتصاد يحصل على خامات بدلًا من إهدارها.
 
والبيئة تتخلص من جزء من العبء.
 
أي أننا كنا نتحدث، قبل انتشار المصطلح في حياتنا اليومية، عن شيء يشبه اليوم ما يسمى:
الاقتصاد الدائري.
 
وكانت هناك استجابة من المواطن
 
التجربة لم تبدأ بالفشل.
 
على العكس، رصدت الصحافة إقبال المواطنين على بيع المخلفات، وبدأت أسعار للمخلفات المفروزة وفق نوعها.
 
وكانت الرسالة التي أردنا إيصالها بسيطة:
 
إذا أردت أن تغيّر سلوك المواطن، فلا تكتفِ بأن تطلب منه أن يكون أكثر وعيًا… أعطه حافزًا.
 
وهذه قاعدة اقتصادية قبل أن تكون بيئية.
 
فبدلًا من أن تقول للأسرة:
 
"افصلي القمامة لأن هذا واجب وطني."
 
قل لها:
"افصليها… وسوف تستفيدين منها."
 
هنا يتحول السلوك البيئي من واجب ثقيل إلى مصلحة مشتركة.
 
لكن التجربة توقفت
 
لا أريد اليوم أن أدخل في معركة البحث عمن أوقفها، أو من حاربها، أو لماذا لم تستمر.
 
التاريخ يستطيع أن يبحث في ذلك.
 
لكن ما يعنيني اليوم هو سؤال آخر:
لماذا لا نعود إليها؟
 
بعد كل هذه السنوات، ما زالت مصر تبحث عن حلول للقمامة.
 
وما زال جزء كبير من المخلفات يختلط في البداية، فتضيع قيمة المواد القابلة لإعادة الاستخدام والتدوير.
 
وما زالت الدولة تنفق على جمع ونقل ومعالجة ما كان يمكن أن يتحول، في جزء منه، إلى مورد اقتصادي.
 
وفي الوقت نفسه، تغير العالم.
 
لم يعد الاقتصاد الأخضر رفاهية.
 
ولم تعد البصمة الكربونية مجرد مصطلح يخص مؤتمرات المناخ.
 
الاتحاد الأوروبي بدأ منذ يناير 2026 التطبيق النهائي لآلية تعديل الكربون على الحدود CBAM، وأصبحت الانبعاثات المرتبطة ببعض المنتجات الصناعية جزءًا من المعادلة التجارية.
 
أي أن العالم يقول لنا بوضوح:
المنتج لم يعد يُقاس بسعره فقط… بل بالطريقة التي أُنتج بها.
 
وهنا تصبح القمامة جزءًا من معركة الصادرات
 
قد يبدو غريبًا أن نربط بين كيس القمامة في بيت مصري وبين طن الحديد الذي يخرج من مصنع مصري إلى أوروبا.
لكن العلاقة موجودة.
 
كلما أهدرنا الموارد، احتجنا إلى استخراج موارد جديدة.
 
وكلما زاد استهلاك الطاقة والمواد الخام، زادت الانبعاثات.
 
وكلما ألقينا المواد القابلة للتدوير في المدافن بدلًا من إعادتها إلى دورة الإنتاج، فقدنا قيمة اقتصادية وبيئية في الوقت نفسه.
لذلك فإن الاقتصاد الدائري ليس قضية نظافة فقط.
 
إنه جزء من القدرة التنافسية للاقتصاد المصري.
مصر لا تملك وقتًا طويلًا
 
لسنا في حاجة إلى اختراع العجلة من جديد.
 
لدينا تجربة مصرية سابقة.
 
لدينا فكرة اختُبرت على أرض الواقع.
 
لدينا مواطنون يمكن تحفيزهم اقتصاديًا.
 
ولدينا شباب يمكن أن يعمل في الجمع والفرز والتدوير.
 
ولدينا صناعة تحتاج إلى خامات.
 
ولدينا دولة تحتاج إلى خفض تكلفة إدارة المخلفات.
 
ولدينا اقتصاد يحتاج إلى كل فرصة استثمار وكل مصدر دخل وكل دولار.
 
ولدينا الآن، فوق كل ذلك، ضغط عالمي جديد اسمه الكربون.
 
فلماذا لا نعود إلى البداية؟
لماذا لا نأخذ أفضل ما في تجربة «افصلها»، ونطوره بما يتناسب مع مصر 2026؟
 
نحتاج إلى "افصلها 2.0"
 
لا أطالب بإعادة الأكشاك القديمة كما كانت.
 
بل أطالب بمنظومة حديثة:
فصل من المنبع.
 
سعر عادل وشفاف للمخلفات.
 
تطبيق إلكتروني يعرف المواطن من خلاله قيمة ما يبيعه.
 
نقاط تجميع منتشرة.
 
شركات تدوير مرتبطة بعقود شراء واضحة.
 
إدماج جامعي القمامة في المنظومة بدلًا من اعتبارهم خصمًا لها.
 
تمويل للشباب والمشروعات الصغيرة.
 
حوافز للأسر والمدارس والمطاعم والمصانع التي تفصل المخلفات.
 
ثم نصل إلى المرحلة الأهم:
 
تحويل المخلفات إلى صناعة.
 
وهنا فقط يصبح لدينا اقتصاد دائري حقيقي.
 
لم يكن الهدف يومًا بيع القمامة
 
الهدف كان وما زال أكبر بكثير.
 
كان الهدف أن نغير نظرة المصري إلى ما يضعه في كيس القمامة.
 
أن يفهم أن ما يرميه قد يكون له سعر.
 
وأن ما له سعر يمكن أن يتحول إلى صناعة.
 
وأن الصناعة تخلق عملًا.
 
وأن العمل يخلق دخلًا.
 
وأن التدوير يقلل استنزاف الموارد.
 
وأن تقليل استنزاف الموارد يعني تقليل الانبعاثات.
 
وأن تقليل الانبعاثات أصبح اليوم شرطًا من شروط المنافسة العالمية.
 
أي أن الخيط الذي بدأناه من سلة القمامة في البيت يمكن أن يصل، في النهاية، إلى قدرة مصر على تصدير منتجاتها إلى العالم.
 
اليوم لا نبحث عن الماضي… بل عن فرصة جديدة
 
قد تكون تجربة «افصلها» قد طُمست من الذاكرة العامة.
 
وقد تكون الظروف التي أحاطت بها قد حالت دون استمرارها.
 
لكنني لا أريد أن أكتب اليوم لأستعيد حقًا شخصيًا أو سياسيًا.
 
أنا أكتب لأن الوقت ليس في صالح الاقتصاد المصري.
 
العالم يتحرك بسرعة.
 
الكربون أصبح له سعر.
 
والطاقة أصبحت عنصرًا حاسمًا في المنافسة.
 
والاقتصاد الدائري يتحول إلى ضرورة.
 
والأسواق الكبرى بدأت تضع شروطًا بيئية على المنتجات التي تدخلها.
 
وفي هذا الوقت لا يجوز أن نظل نتعامل مع القمامة باعتبارها شيئًا نريد فقط أن نتخلص منه.

علينا أن نسأل:
كم تساوي؟
 
وكم فرصة عمل يمكن أن تصنعها؟
 
وكم خامة يمكن أن توفرها؟
 
وكم طاقة يمكن أن نوفرها؟
 
وكم انبعاثًا يمكن أن نخفضه؟
 
وكم دولارًا يمكن أن نكسبه؟
 
لذلك ربما حان الوقت أن نعود إلى فكرة بسيطة سبقت زمنها:
افصلها… لا ترمِها.
 
ليس من أجل نظافة الشارع فقط.
 
بل من أجل اقتصاد مصر.