مكتبةٌ منسيّة: كيف أُعيد اكتشاف التراث العربيّ المسيحيّ؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
إذا كانت المكتبة العربيّة المسيحيّة تضم كلّ هذا التراث من الكتاب المقدّس واللاهوت والفلسفة والتاريخ والقانون والشعر والعلوم، فلماذا يستطيع كثير من دارسي اللاهوت اليوم أن يسمّوا بسهولة أغسطينوس وتوما الأكوينيّ ولوثر وكالفن، بينما قد لا يعرفون أبا رائطة التكريتيّ أو عمّار البصريّ أو يحيى بن عدي أو أبا شاكر ابن الراهب؟
 
ليست المشكلة أنّ النصوص لم توجد، بل أنّ قسمًا كبيرًا منها عاش قرونًا في المخطوطات. كان الكتاب الواحد قد يوجد منه مخطوط في دير في سيناء، ونسخة في مكتبة بالفاتيكان، وأخرى في باريس أو لندن أو برلين، بينما لا يعرف الباحث أحيانًا هل العنوان المنسوب إلى مؤلّف في فهرس ما هو الكتاب نفسه الذي يحمل عنوانًا مختلفًا في فهرس آخر. وحتى الأب سمير خليل، حين كتب عرضه للأدب العربيّ المسيحيّ في العصر العباسيّ، لاحظ أن هذا الأدب ظلّ أقلّ شهرة مما يستحق وأن الدراسات والنصوص المنشورة المتعلقة به متفرّقة في سلاسل ومجلّات مختلفة.[١]
 
ولذلك فإن تاريخ دراسة التراث العربيّ المسيحيّ ليس أقل إثارة من تاريخ التراث نفسه. كان على الباحثين أولًا أن يسافروا ويبحثوا عن المخطوطات، ويقرأوا خطوطها، ويعرّفوا بالمؤلّفين، وينشروا النصوص، ثم يحاولوا الإجابة عن أسئلة تبدو لنا اليوم بديهيّة: مَن كتب هذا الكتاب؟ متى عاش؟ هل وصل إلينا كاملًا؟ أين توجد نسخه؟ هل نُشر؟ وهل الكتابان اللذان يحملان عنوانين مختلفين عملٌ واحد أم عملان؟
 
ومن الأسماء المهمّة في هذه المرحلة الأب لويس شيخو اليسوعيّ (1859–1927). ومن الخطأ أن نبدأ الحكاية بالألمانيّ جورج جراف كأن باحثًا أوروبيًّا جاء فاكتشف فجأة تراثًا لم يكن يعرفه أحد. كان شيخو في بيروت يبحث في المخطوطات ويجمع النصوص وينشرها ويعرّف بالأدباء والعلماء المسيحيّين قبل اكتمال مشروع جراف بسنوات طويلة. وتشهد قائمة مؤلفاته على اتساع عمله: كتب عن شعراء النصرانيّة، وعلماء النصرانيّة في الإسلام، ووزراء المسيحيّين وكتّابهم، ووضع فهارس للمخطوطات، ونشر نصوصًا مسيحيّة عربيّة، بل ترك «رحلات علميّة بحثًا عن المخطوطات» تكشف شيئًا من العمل الميدانيّ الذي كان وراء هذه الدراسات[٢]، وبالتأكيد كتابات شيخو تحتاج إلى النظر إليها بعينٍ نقديّة.
 
لكن الاسم الذي سيصبح نقطة تحوّل كبرى في تنظيم هذا الحقل هو الكاهن والباحث الألمانيّ جورج جراف Georg Graf (1875–1955). لم يكتشف جراف التراث العربيّ المسيحيّ من العدم، ولكنه فعل شيئًا آخر لا تقلّ أهميّته: حاول أن يرسم خريطةً شاملة له.
 
ويمكن أن نتخيّل المشكلة التي واجهها بهذه الصورة: لدينا آلاف المخطوطات، ومئات المؤلّفين، وعناوين مختلفة للكتاب نفسه، ونصوص مترجمة من لغات متعدّدة، وأعمال نعرف أسماءها لكنها ضاعت، وأخرى موجودة لكن لم تُطبع. ماذا يحتاج الباحث؟ يحتاج إلى شخص يجمع هذه الخيوط ويقول له: هذا المؤلّف عاش في هذا العصر، وينتمي إلى هذا التقليد الكنسيّ، ونُسبت إليه هذه الكتب، وهذا منها موجود، وهذه مخطوطاته، وهذا طُبع، وهذه الدراسات التي كُتبت عنه.
 
هذا تقريبًا ما حاول جراف إنجازه في موسوعته الألمانيّة الضخمة Geschichte der christlichen arabischen Literatur، أي «تاريخ الأدب العربيّ المسيحيّ»، التي صدرت في خمسة مجلّدات في الفاتيكان بين 1944 و1953.[٣] ولم يزل موقع Syri.ac، وهو من أدوات البحث الأكاديميّة المهمّة في الدراسات السريانيّة والمسيحيّة العربيّة، يصف عمل جراف بأنه "فهرس لا غنى عنه"، وإنجازٌ تأسيسي قامت عليه الأبحاث اللاحقة في هذا المجال.
 
وكان المجلّد الأول مختلفًا قليلًا عن بقية المشروع، إذ خصّصه جراف للترجمات إلى العربيّة، ومن بينها الكتاب المقدّس والنصوص الآبائيّة والليتورجيّة وغيرها. ولم يزل مشروع Biblia Arabica المعاصر يؤكد أن هذا المجلّد تحديدًا باقٍ إلى اليوم مرجعًا أساسيًّا لدراسة الترجمات المسيحيّة العربيّة للكتاب المقدّس، بل إن طريقة جراف في التمييز بين الترجمات والمراجعات وفي تنظيم تقاليد المخطوطات لم تزل تؤثّر في البحث المعاصر.[٤]
أما المجلّدات التالية فانتقلت إلى المؤلّفين والأعمال، وحاول جراف أن يجمع تاريخ الأدب العربيّ المسيحيّ من خلال تقاليده المختلفة. ولهذا، إذا أراد الباحث اليوم أن يبدأ دراسة مؤلّف مسيحيّ عربيّ قديم، فكثيرًا ما تكون إحدى خطواته الأولى بسيطة: ماذا قال جراف عنه؟
 
لكن جراف ليس الكتاب المقدّس الجديد للدراسات العربيّة المسيحيّة! فمن طبيعة أي عمل موسوعيّ أن يتقادم جزئيًّا. ظهرت بعد وفاته مخطوطات لم يكن يعرفها، وصُحّحت نسب بعض الكتب، ونُشرت نصوص جديدة، وتقدّم علم فهرسة المخطوطات. بل يشير دليل Syri.ac نفسه إلى إحدى نقاط الضعف المهمة في عمله: لم يكن لجراف وصول مباشر كافٍ إلى مجموعة دير سانت كاترين في سيناء، واضطر إلى الاعتماد على قوائم أقدم، كما أن «المكتشفات الجديدة» في سيناء لم تظهر إلا سنة 1975، بعد وفاته بعشرين عامًا.[٣]
 
وهذا هو معنى أن يكون عملٌ ما تأسيسيًّا: ليس أنه قال الكلمة الأخيرة، بل إنه جعل من الممكن أن تأتي بعده كلمات أدقّ.
 
ولذلك كان عنوان الدراسة التي كتبها الأب سمير خليل اليسوعيّ عن جراف دقيقًا جدًا: Georg Graf (1875–1955), sa bibliographie et son rôle dans le renouveau des études arabes chrétiennes، أي: «جورج جراف: ببليوغرافيته ودوره في تجديد الدراسات العربيّة المسيحيّة». نُشرت الدراسة بالفرنسيّة في مجلّة Oriens Christianus سنة 2000، وعنوانها نفسه يحدّد موقع جراف: ليس هو «مكتشف المسيحيّة العربيّة»ولكنّه أحد أهم من أسهموا في تجديد دراستها علميًّا وتنظيم مادتها [٥].
 
ومن جيل جراف وشيخو امتدّ الحقل إلى باحثين كثيرين وإلى لغات أكاديميّة متعددة. يكفي أن نتأمل أعمال الباحث المصريّ عادل يوسف سيداروس لنرى ذلك. ففي سنة 1975 نشر بالألمانيّة دراسته الكبيرة عن أبي شاكر ابن الراهب، Ibn ar-Rāhibs Leben und Werk، التي قدّمته بوصفه موسوعيًّا قبطيًّا عربيًّا من القرن الثالث عشر.[٦] وبعد عقود نشر بالفرنسيّة دراسةً واسعة بعنوان Notes sur la littérature médiévale chrétienne d’expression arabe، أعاد فيها النظر في الحركة الأدبيّة المسيحيّة العربيّة وأجناسها والتبادل الفكريّ الذي ربط وادي النيل بسوريا وفلسطين وبلاد الرافدين.[٧]
 
وبالبرتغاليّة كتب سيداروس عن «العصر الذهبيّ للأدب القبطيّ العربيّ»، محدّدًا القرنين الثالث عشر والرابع عشر بوصفهما مرحلة ازدهار استثنائيّ، كما جمع عددًا من أبحاثه في كتاب برتغاليّ بعنوان Vivências Cristãs em Contexto Islâmico، أي «خبرات مسيحيّة في سياق إسلامي»، الصادر سنة 2018.[٨] وهكذا صار تراثٌ ألّفه مسيحيّو الشرق بالعربيّة موضوعًا لأبحاث تُكتب بالعربيّة والألمانيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة والبرتغاليّة وغيرها.
 
وقد تكون في ذلك مفارقة لطيفة: احتجنا أحيانًا إلى قراءة كتب بالألمانيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة لكي نكتشف كم كتب أجدادنا بالعربيّة!
من المهم ألا تتحول هذه الدراسات الحديثة إلى متحف أكاديميّ جديد لا يصل إليه إلا المتخصّصون. فغاية تحقيق المخطوط أو فهرسته ليست أن ينتقل من درج في دير إلى رفّ في جامعة غربيّة وينتهي الأمر. المهمة الأعمق أن يعود هذا التراث إلى الوعي الثقافيّ والكنسيّ العربيّ نفسه، وأن يعرف المسيحيّ الذي يصلّي ويدرس اليوم بالعربيّة أن استعمال هذه اللغة في التفكير المسيحيّ ليس تجربةً حديثةً ولا استثناءً، بل وراءه تاريخ طويل من المؤلّفين والمترجمين والمفسّرين والفلاسفة.
 
لقد ساعد شيخو في البحث عن النصوص ونشرها والتعريف بأصحابها، ورسم جراف واحدة من أهم الخرائط الكبرى للمكتبة، ثم جاءت أجيال متتابعة لتصحّح الخريطة وتضيف إليها. لكن المكتبة لا تصبح حيّة لمجرّد أن نملك فهرسًا ممتازًا لها.
 
المكتبة تصبح حيّة عندما نفتح الكتب. وهذا ما سنفعله من الحلقة القادمة. سنترك الحديث العام عن «التراث العربيّ المسيحيّ»، ونبدأ الاستماع إلى أصوات أصحابه أنفسهم: كيف شرح مسيحيّ عاش في وسط إسلاميّ أن الله واحد وثالوث؟ وكيف استخدم العربيّة وعلم الكلام للدفاع عن إيمانه؟
في الحلقة القادمة: عندما صار التوحيد والثالوث يُناقشان بالعربيّة… كيف وُلد علم الكلام المسيحيّ؟