جدلية تكوين المجال القبطي العام
أثناسيوس سرجيوس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• الباب الحادي عشر: انفجار ٢٠٠٦ — من سؤال «كم نُشر؟» إلى عبارة «غير تابعة»
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع مؤتمر العلمانيين سنة ٢٠٠٦ خرج الخلاف من منطقة التوتر المكتوم إلى المجال العلني. فقد غطت «وطني» المؤتمر تفصيليًا وأفردت له مساحة ونشرت حوارًا مع كمال زاخر، وأصبحت الصحيفة ساحة لعرض خطاب إصلاحي كانت البطريركية تنظر إليه بريبة شديدة؛ وقد حدد حمدي رزق في ٢٩ نوفمبر ٢٠٠٦ حوار زاخر والصفحة المخصصة للمؤتمر ضمن أسباب الاستياء.
^(13) والأكثر دلالة تصريح الأنبا مرقس، المتحدث الرسمي باسم الكنيسة آنذاك، الذي نُقل عنه أن سبب اللقاء المرتقب بين البابا ويوسف سيدهم هو أن «وطني» نشرت المؤتمر «بصورة تفصيلية زيادة على اللزوم».^(14) وهذه العبارة من أكثر الجمل دلالة في الأزمة كلها؛ لأنها تكشف أن النزاع لم يكن أساسًا حول صدق الخبر أو كذبه، بل حول جرعته التحريرية.
فالصحافة لا تصنع المعنى بقرار النشر وحده؛ تصنعه أيضًا بمكان الخبر وحجم العنوان وعدد الصفحات والصور وعدد المحررين المكلفين وطبيعة الشخصيات المستضافة والاستمرار في المتابعة. وهذا ما تسميه دراسات الإعلام ترتيب الأولويات أو وضع جدول الاهتمام (agenda-setting): سلطة تحديد ما يبدو مهمًا في المجال العام وما يبدو هامشيًا. فعندما تعترض مؤسسة على أن صحيفة أعطت حدثًا مساحة «أكثر من اللازم»، يصبح السؤال الحاسم: من يملك تحديد «اللازم»؟ المؤسسة التي يتناولها الخبر، أم الصحيفة التي تحرره؟ وهنا انتقل الخلاف من العقيدة إلى سلطة ترتيب المجال العام ذاتها: من يقرر ما هو مهم وما هو هامشي، ومن يستحق أن يُسمع وبأي حجم.
في ٢٧ نوفمبر ٢٠٠٦ نشرت «المصري اليوم» تفاصيل تكشف حجم التصعيد. كان عدد «وطني» قد صدر من دون مقال جديد للبابا للمرة الأولى منذ نحو ثلاثة عقود، فنشرت الصحيفة مقالًا قديمًا له؛ وذكر التقرير أن المكتب البابوي أبلغ قيادة «وطني» شفهيًا بعدم نشر أخبار تتعلق بالكنيسة، وأن الأنبا مرقس أكد إبلاغ الجريدة بذلك، كما طُلب عدم نشر حوار سابق معه.^(15) وهذه من أقوى وقائع الأزمة توثيقًا، لأنها لم تعتمد على مصدر مجهول فحسب، بل تضمنت تأكيدًا من متحدث كنسي رسمي.
أما بقية التقرير فتحتاج إلى التفريق: فقد تحدث عن منع توزيع الجريدة في كنائس متعددة، ونسب إلى الأنبا بيشوي، سكرتير المجمع المقدس، شروطًا لإنهاء الأزمة تتعلق بعدم نشر أخبار معارضي الكنيسة وقيود تحريرية أخرى؛ لكن يوسف سيدهم قال في التقرير نفسه بوضوح إنه لم يُبلَّغ بهذه الشروط ولا يعلم عنها شيئًا، وإن ما وصله مباشرة هو طلب عدم نشر أخبار الكنيسة. فلا يجوز أن نكتب تاريخيًا «فرض الأنبا بيشوي على الجريدة كذا وكذا» كأن ذلك ثابت؛ الأدق أن نقول: نُسبت إليه شروط في تقرير صحفي بينما نفى رئيس التحرير تلقيها.
وثبوت الإبلاغ الشفهي بعدم نشر الأخبار الكنسية أقوى توثيقًا من ثبوت جميع الشروط المنسوبة؛ والفرق بين الصيغتين هو الفرق بين التوثيق والتحريض. وينطبق المنطق نفسه على الروايات المتعلقة بحجب الإعلانات: فلا تُقدَّم في صيغة قرار مركزي ثابت ما لم يظهر مصدر أولي أقوى.
وحتى في مسألة التوزيع نفسها توجد فروق مهمة. فبعض التقارير المعاصرة قالت إن الجريدة مُنعت في عدد من الكنائس؛ وفي اليوم التالي قال فيكتور سلامة، من إدارة تحرير الجريدة، إن نسخًا كثيرة ظلت توزَّع داخل الكنائس ونفى وجود حظر شامل بالصيغة التي راجت؛ بينما كتب حمدي رزق أن بعض الكهنة والرهبان امتنعوا عن توزيعها في بعض الأماكن، مصرحًا بأنه يستبعد — على سبيل التخمين الشخصي — أن يكون البابا قد أصدر بنفسه أمرًا تفصيليًا بذلك.
ومن الخطأ تحويل استنتاج صحفي إلى معلومة ثابتة عن قرار البابا؛ لكن هذه الفجوة بين «وجود فعل» و«غموض مصدر الأمر» هي في ذاتها مادة تحليلية شديدة القيمة، لأنها تقود إلى شكل آخر من أشكال السلطة سنقف عنده الآن: الامتثال الاستباقي.
في البنى الهرمية لا تُمارس السلطة نفسها دائمًا من خلال منشور مكتوب أو أمر صريح؛ فالفاعلون المحيطون بالمركز يتعلمون قراءة إشارات الرضا والغضب، ثم يتصرفون بناءً عليها، وأحيانًا قبل أن يصل أي أمر. وهذا ما يمكن تسميته الامتثال الاستباقي.
فقد لا يقول البطريرك للكاهن: «امنع الصحيفة»؛ لكن الكاهن قد يدرك أن القيادة مستاءة منها، فيعدّ عدم توزيعها علامة ولاء، وقد يذهب آخر أبعد من ذلك، ويتريث ثالث فلا يفعل شيئًا؛ فتظهر على الأرض أنماط متفاوتة من السلوك — وهي بالضبط الصورة غير الموحدة التي تعكسها تقارير ٢٠٠٦ المتعارضة عن التوزيع. وفي مثل هذه البنى تكون السلطة الفعلية أوسع من السلطة المقصودة، بل قد يجد الزعيم الكاريزمي أن أتباعه يمارسون باسمه تشددًا لم يطلبه، لأن الولاء في الجماعة الهرمية يمكن أن يتحول إلى منافسة على إظهار الحماية للمركز وصون صورته. فالزعيم لا يسيطر فقط بما يأمر به، بل أيضًا بما يتخيل أتباعه أنه يريده. وهذا التحليل لا يبرئ المركز تلقائيًا من مسؤوليته عن المناخ الذي يصنعه، لكنه يمنع المؤرخ من نسبة كل فعل صدر في الأطراف إلى أمر شخصي من البابا؛ وهو الفارق الدقيق بين تحليل النظام وبين اختراع مؤامرة، وبين التاريخ والتحريض.
في قلب الصدام، في ٢٨ نوفمبر ٢٠٠٦، قال يوسف سيدهم العبارة التي تصلح أن تكون الأكثر تكثيفًا لفلسفة الجريدة: «وطني غير تابعة للكنيسة»، مؤكدًا أن نشر الآراء المناوئة يمكن أن يدخل في إطار حرية الرأي والتعبير.^(16) وقوة العبارة فيما لا تقوله بقدر ما هي فيما تقوله: فهي لا تقول إن «وطني» ضد الكنيسة، ولا إنها لا علاقة لها بالأقباط، ولا إنها لا تحترم البطريرك، ولا تنكر اهتمامها الخاص بالشأن القبطي ولا موقعها الاجتماعي والوجداني داخل الجماعة.
إنها ترسم خطًا بين مفهومين يختلطان كثيرًا: الانتماء والتبعية. فالانتماء علاقة هوية وذاكرة ووجدان واهتمام ومسؤولية؛ أما التبعية فعلاقة سلطة. ويمكن للصحفي أن يكون قبطيًا مخلصًا لكنيسته وهو يرفض في الوقت نفسه أن تصبح الإدارة الكنسية محررًا أعلى غير معلن لصحيفته؛ بل ربما كان استقلاله المهني أحد أوجه إخلاصه، لأن الصحافة التي لا تستطيع أن تقول للمؤسسة ما لا تريد سماعه لا تقدم لها معرفة، بل تقدم لها صورة محسّنة عن نفسها. والمرآة التي لا تُظهر إلا الوجه الذي يرضي الناظر لا تعود مرآة.
وكأن جملة يوسف سيدهم كانت التعبير النظري المتأخر عما حاول أنطون سيدهم أن يضمنه عمليًا منذ التأسيس، وما حمله مسعد صادق من صحافته السابقة، وما جسده مراد وهبة في مشروع الاستنارة، وما عاشه سليمان نسيم جامعًا بين خدمة الكنيسة والكتابة الحرة؛ فلم تكن العبارة بطولة شخصية ظرفية، بل ثمرة بنية ملكية وتاريخ وثقافة مهنية تراكمت نصف قرن. ولا يمكن كتابة تاريخ «وطني» من دون أخذ هذه الجملة مأخذًا جديًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• الباب الثاني عشر: تجدد الخلاف سنة ٢٠٠٧ — من الرقابة على النشر إلى ضبط زاوية التحرير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم تكن أزمة ٢٠٠٦ سحابةَ صيفٍ عابرة. ففي مايو ٢٠٠٧ تجدد الامتناع البابوي عن إرسال المقال الأسبوعي للأسبوع الثاني على التوالي — واضطرت الجريدة إلى ما يلجأ إليه المحرر في مثل هذا الحرج: إعادة نشر مقالٍ قديم من مقالات البابا سدًّا للمكان الشاغر، وهي واقعةٌ صغيرة بليغة الدلالة، إذ تكشف أن الجريدة حرصت حتى في ذروة العقوبة على ألّا يخلو صدرُها من اسم البابا، فآثرت الاستمرار في إكرام العلاقة من طرفٍ واحد على إعلان القطيعة — وذلك إثر تقريرٍ كنسي رصد أن الجريدة لم تُبرز «مساوئ» مؤتمر الإصلاحيين الأقباط، وأنها خصصت ثلاثة محررين لمتابعة أروقته.^(20) وتستوقف الدراسةَ أداةُ الضبط الجديدة قبل مضمونه: «تقريرٌ كنسي» يرصد التغطية ويحصي المحررين — أي أن المؤسسة انتقلت من ردّ الفعل على ما يُنشر إلى الرصد المنهجي لكيفية إنتاجه، فصارت غرفةُ تحرير الصحيفة المستقلة نفسها موضوعًا للمتابعة المؤسسية، يُحصى فيها عددُ مَن كُلّفوا بالملف كما تُحصى الأسطر. وهنا انتقل محل الخلاف من سطح الأخبار إلى جوهر الصنعة الصحفية نفسها: لم يعد السؤال ماذا تنشر الجريدة فحسب، بل بأي حجم، ومن أي زاوية، وبأي لغة تتناول الشأن القبطي الداخلي — وكم محررًا يجوز لها أن تخصص لحدثٍ لا تريده المؤسسة حدثًا. وحين تصل الرقابة إلى مطالبة الصحيفة بإبراز «مساوئ» حدثٍ ما، تكون قد تجاوزت طلبَ الصمت إلى طلب الانحياز؛ أي أنها لم تعد تطلب من الصحيفة ألا تكون خصمًا، بل تطلب منها أن تكون سلاحًا.
وبمصطلح الدراسة: هذا هو الحد الفاصل الذي تنقلب عنده حراسة الحدود إلى تجنيدٍ للثالث — فالمؤسسة هنا لم تعد تدفع عن نفسها مرآةً لا تعجبها، بل صارت تطلب من المرآة أن تشوّه الخصم لحسابها؛ ولو أجابت الصحيفة إلى ذلك لفقدت في اللحظة نفسها كلَّ قيمتها للمؤسسة ذاتها، إذ ما نفعُ شهادةِ شاهدٍ اشتُري؟ وتلك مفارقةُ كل سلطةٍ تطلب من المستقلّ أن يتحيز لها: إنها تطلب منه أن يُتلف الشيء الوحيد الذي جعل رضاه ذا قيمة — استقلاله.
ويكتمل هذا الباب بالوثيقة الختامية لسلسلة المواقف، وهي تصريح الأنبا بيشوي سنة ٢٠٠٨ بأن «وطني» لا تعبر عن صوت الكنيسة — وقد جاء في سياق مقابلاتٍ أعلن فيها صراحةً أنه لا يتعامل مع الصحف التي «هلّلت لحركة العلمانيين»، معتبرًا أن أي صحيفة قبطية، حتى وإن لم تكن رسمية كـ«الكرازة»، يجب أن تلتزم «خط الكنيسة» في الملفات الحساسة كالمعارضين والأحوال الشخصية؛^(17) وامتد هذا التشدد إلى مهاجمة رواية «عزازيل» ليوسف زيدان في معركةٍ ثقافية عامة شهيرة، وإلى التحفظ على المواد البروتستانتية على ما مرّ في بابه — فاكتمل بذلك نمط «حارس
الحدود» في أوسع مداه: من ضبط العقيدة، إلى ضبط الصحافة القبطية، إلى الاشتباك مع الرواية الأدبية في السوق الثقافية القومية. وتقف الدراسة عند تصريح ٢٠٠٨ وقفةً تحليلية خاصة، لأن فيه مفارقةً منطقية تنقض بنيان الموقف كله من داخله: فقولُ سكرتير المجمع إن «وطني» لا تعبر عن صوت الكنيسة هو — بحروفه — عينُ ما ظلت الجريدة تقوله عن نفسها منذ تأسيسها، وعينُ ما أعلنه يوسف سيدهم في ذروة الأزمة: إن «وطني» غير تابعة للكنيسة وليست ناطقةً باسمها. فالطرفان إذن متفقان على التوصيف حرفيًّا؛ وإنما الخلاف كله في اللازم المستنبَط منه: فالجريدة تستنبط من عدم التبعية حقَّها في التعدد والاستقلال التحريري — إذ مَن ليس لسانًا رسميًّا لا يُحاسَب محاسبةَ اللسان الرسمي — بينما يستنبط الموقف المؤسسي من التوصيف
نفسه وجوبَ التزامها «خط الكنيسة» كأنها لسانٌ رسمي، ثم يحتج عليها بأنها ليست كذلك. وهذا جمعٌ بين المتنافيين: إذ لا يستقيم أن تكون الجريدة في آنٍ واحد غيرَ معبِّرة عن صوت الكنيسة — فتُحرم مزايا الصفة الرسمية من اعتمادٍ ومعلوماتٍ ورعاية — وملزمةً بواجبات الصفة الرسمية من وحدة الصوت والتزام الخط. فإذا كانت الجريدة ليست صوت الكنيسة، فمن الطبيعي — بل من الواجب المنطقي — ألا تتطابق معها في كل شيء؛ وإذا طولبت بالتطابق فقد عُوملت لسانًا رسميًّا، فلزم أن يُعترف لها بما للسان الرسمي. أما الجمع بين نفي الصفة وفرض تكاليفها فهو المصادرة بعينها، ويكشف أن جوهر المطلوب لم يكن يومًا توصيفَ العلاقة بل مضمونَها: التبعية بلا ثمن التبعية.





