بقلم: أيمن فايز
هل تساءلت يومًا لماذا لا نُدرك قيمة العبقرية إلا بعد فوات الأوان؟ في دهاليز المشهد الثقافي، تتوارى حقيقةٌ صادمة: نحن لا نُجيد اكتشاف القيمة الحقيقية وهي تتوهج أمام أعيننا، بل نُتقن إعادة توزيعها كرمادٍ بارد بعد أن تخبو جذوتها. 

إنه خللٌ عميق لا يكمن في مرثياتنا البليغة، بل في صميم الآلية التي يعمل بها نظامنا الثقافي ذاته.

مفارقة المشهد الفني العربي: بين التجاهل والمجد المؤجل
تأمل المشهد الفني العربي، ستجد نمطًا صارمًا يتكرر بوضوحٍ مؤلم: في حياة المبدع، يُعامل كـ”عنصرٍ” عادي، خاضعٍ للنقد، للمقارنة، للتجاوز، وربما للتجاهل التام. لكن ما إن يغيب جسده عن دنيانا، حتى يُعاد تصنيفه بالكامل، ليصبح “مرجعيةً مكتملة”، وكأن الزمن لم يكن ساحةً لصراع الأذواق، بل فترةً من الإجماع الصامت! هذه ليست مجرد مفارقة عاطفية، بل هي آلية نقدية معطوبة، تُفسد فهمنا للإبداع وتُشوّه تاريخه.

زمن العمالقة: وهمٌ نصنعه بأيدينا
ما نُسميه اليوم بـ”زمن العمالقة”  او الزمن الجميل ليس توصيفًا تاريخيًا حقيقيًا، بل هو إعادة هندسة لاحقة للمشهد الثقافي. إنها عملية محوٍ ممنهج لطبيعته الجدلية الأصلية، واستبدالها بسرديةٍ مستقرة لا تعترف بما كان يحدث فعليًا: منافسةٌ شرسة، تباينٌ حاد في الرؤى، رفضٌ قاسٍ، وتفاوتٌ كبير في التلقي. 
في زمن الفعل، لا يملك أحدٌ امتياز اليقين؛ القيمة كانت دائمًا قيد الاختبار، لا قيد الإعلان. لكن ما إن ينتهي الفعل، حتى يبدأ نظامٌ آخر بالاشتغال: نظامٌ يُجيد تحويل الصراع إلى إجماعٍ زائف، والاختلاف إلى توافقٍ مصطنع، والجدل الحيّ إلى “إرثٍ” جامد.

اقتصاد ما بعد القيمة: ثمن التقدير بلا تكلفة
هنا، يبدأ ما يمكن تسميته بدقة: اقتصاد ما بعد القيمة. إنه اقتصادٌ لا ينتج حكمًا نقديًا في لحظته الحاضرة، بل ينتظر بصبرٍ حتى يتوقف الفاعل عن إنتاج الأثر، ليبدأ بعدها في منحه “قيمته الحقيقية”. 

هذا التحول ليس بريئًا أبدًا؛ لأنه يعني ببساطة أن المؤسسة الثقافية – بإعلامها ونقّادها وفعالياتها – تُفعل حاسة التقدير فقط عندما يصبح التقدير بلا تكلفة! في الحياة، التقدير موقفٌ يتطلب اختيارًا جريئًا، ومخاطرةً محسوبة، وقدرةً على المفاضلة في زمنٍ غير محسوم النتائج. أما بعد الموت، فيتحول التقدير إلى مجرد إجراءٍ إداري: آمن، جماعي، ومتأخر بما يكفي لعدم إزعاج أي معادلات قائمة.

التكريم الرمزي: تجميل للعجز لا تجاوز له
ولهذا، لا يعود مستغربًا أن نرى النمط نفسه يتكرر بلا كلل: تجاهلٌ أو تهميشٌ نسبي في زمن الحضور، ثم انفجارٌ في لغة الاعتراف بعد الغياب. 

لكن الأخطر من هذا كله ليس التحول في الخطاب، بل في الأدوات التي تُستخدم لتثبيته. إذ لا يكتفي المشهد الثقافي بالرثاء أو إعادة التقييم، بل ينتقل إلى مرحلة إعادة تسمية الفضاء العام: شوارع، ميادين، قاعات، ودورات مهرجانات تحمل أسماء الراحلين. 

ظاهريًا، يبدو هذا تكريمًا رمزيًا، لكن نقديًا، هو فعلٌ مختلف تمامًا: إنه تحويل الاسم إلى مجرد لافتةٍ صامتة، بعد أن كان يجب أن يكون معيارًا حيًا داخل النقاش الثقافي. ميدانٌ باسم فنان لم يُمنح مساحة نقدية كافية في حياته، أو مهرجانٌ يُطلق اسم مخرج لم يُستدعَ بالقدر ذاته إلى قلب الفعل المؤسسي وهو حي، ليس تصحيحًا للتاريخ… بل تثبيتٌ لأثره بعد تعطيل حضوره. نحن لا نكرّمهم هنا، بل نُدير غيابهم. وهذا الفارق حاسم.

فالتكريم الحقيقي لا يكون في التسمية الجوفاء، بل في إدراج الاسم داخل زمنه: داخل النقاش الحيّ، داخل المناظرة الفكرية، داخل القرار النقدي الشجاع، داخل لحظة الاختيار بين ما يستمر وما يُستبعد. أما تحويل الأسماء إلى شوارع، فهو شكلٌ من أشكال الإغلاق الرمزي: نمنحهم مكانًا في الجغرافيا، بعد أن لم نمنحهم موقعًا حقيقيًا في البنية النقدية الحية.

الوضوح المتأخر: محوٌ لتاريخ التردد
ثم تأتي المفارقة الأشد قسوة: نحن لا نكتشف أننا أخطأنا في التقدير، بل نكتشف فقط أننا تأخرنا في الإعلان عنه! لذلك يتحول الخطاب الثقافي بعد كل رحيل كبير إلى طقسٍ متكرر: صورٌ تُستعاد، شهاداتٌ تُكتب، ندواتٌ تُقام، وأسماءٌ تُكرّس بوصفها “كانت واضحة منذ البداية”. 

لكن هذا “الوضوح المتأخر” ليس كشفًا للحقيقة، بل هو محوٌ لتاريخ كامل من التردد والاختلاف والتجاهل. إنه إعادة كتابة ناعمة للمشهد، تُريح الذاكرة، لكنها تُفسد الفهم العميق.

وفي الخلفية، يستمر نفس النظام في العمل: الترند يحكم الحضور، والانتشار يسبق القيمة، والحضور الإعلامي يسبق العمق، ثم ننتظر الغياب لنبدأ بالعكس. وهكذا ندور في حلقةٍ مفرغة: نُهمل القيمة وهي تعمل، ثم نحتفي بها وهي متوقفة عن العمل.

العجز عن الرؤية: مأساة المشهد الثقافي
المشكلة ليست في تكريم الراحلين، بل في أننا لا نملك جهازًا نقديًا يعمل إلا بعد توقف التجربة عن إنتاج المفاجأة. نحن لا نُجيد قراءة الحاضر، بل نُجيد فقط أرشفته بعد انتهائه. وهذا ما يجعل كل “زمن عمالقة” نُعلنه لاحقًا، ليس وصفًا لجمالٍ سابق، بل اعترافًا مؤجلًا بفشل الرؤية في لحظته الأصلية. 

إن أخطر ما في المشهد الثقافي اليوم ليس نقص القيمة، بل فائض التأجيل في اكتشافها. وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بمن رحلوا… بل بالقدرة التي لم تتكوّن أصلًا: أن نرى القيمة وهي تعمل، لا بعد أن تتوقف. أما ما يحدث بعد ذلك من إطلاق أسماء على شوارع أو مهرجانات، فليس إلا محاولة لتجميل هذا العجز، لا لتجاوزه.