هاني لبيب
ما زالت قضية تأخر تسليم عدد من الكمبوندات الخاصة بالعاصمة الإدارية الجديدة قضية شائكة تتجاوز حدود العلاقة التعاقدية بين المواطن المشترى والمطور العقارى. وما تتسبب فيه من اختبار جوهر الثقة فى السوق العقارية وفى قدرة الدولة على حماية الحقوق واحترام العقود.

كتبت مقالين، الأول «كمبوندات الأحلام.. تطبق الشروط والأحكام!» فى ٣١ يوليو ٢٠٢٦. وكان السؤال الأساسى: هل لا يزال العقد هو المرجعية الحاكمة للعلاقة بين المشترى والمطور العقارى؟ وذكرت فيه أن المواطن الذى يلتزم بسداد أقساطه فى مواعيدها، وربما دفع قيمة الوحدة وتكاليف التشطيب بالكامل، لا يجوز أن يجد نفسه أمام مواعيد تسليم تتغير مرة بعد أخرى، بينما تطبق عليه الغرامات والجزاءات فور إخلاله بأى التزام تعاقدى.

أما المقال الثانى، «كمبوندات الأحلام.. الثقة تحت الاختبار!» فى ٧ أغسطس ٢٠٢٦، فقد ركزت على أن سلامة المراكز القانونية للجهات المختلفة سواء جهاز تنمية العاصمة الإدارية الجديدة أو شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية.. لا تعنى انتهاء مسؤوليتها المؤسسية. فالمواطن لا يعنيه تعدد الاختصاصات بقدر ما يعنيه أن يحصل فى النهاية على حقه، كما أن حماية المطورين العقاريين الجادين تقتضى انضباط السوق، وعدم المساواة فيه بين الملتزم وغير الملتزم.

وانتهيت إلى أن التعثر قد يكون مفهوماً إذا فرضته أسباب حقيقية واستثنائية، ولكن الخطر يبدأ عندما يتحول التأخير إلى ممارسة معتادة، وتصبح الوعود بديلاً عن الالتزام، ويصبح العقد مجرد موعد قابل لإعادة التفاوض من طرف واحد.. يرى فى نفسه الأقوى.

فى ١٠ أغسطس ٢٠٢٥، أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسى عدداً من القرارات الهامة، ومنها تشكيل لجنة متخصصة لتفقد المشروعات العقارية الجارى تنفيذها فى مختلف المحافظات، ومتابعة معدلات التنفيذ على أرض الواقع، والتأكد من التزام الشركات بالعقود ومواعيد التسليم، ورصد حالات التعثر والتأخير، ومراجعة استكمال البنية الأساسية، ومحاسبة الشركات التى يثبت إخلالها بالتزاماتها.

لا تقتصر أهمية هذا التوجيه بتشكيل اللجنة المذكورة فحسب، وإنما بالرسالة التى يحملها هذا القرار من أن السوق العقارية أصبحت محل متابعة باعتبارها جزءاً من منظومة الثقة والاستثمار، وليست مجرد معاملات تجارية منفصلة بين شركات خاصة والمواطنين المصريين. وهو ما يعنى أيضاً، الانتقال من متابعة الأوراق والتقارير إلى متابعة المشروعات العقارية وتفقدها ميدانياً. وهى خطوة مقدرة لأن الفيصل فى النهاية هو ما تحقق فعلياً على أرض الواقع، وليس ما تقوله الحملات الإعلانية أو الجداول التسويقية.

التعامل مع التأخيرات.. يجب أن يقوم على التمييز بين حالات التعثر. ليس كل تأخير دليلاً على التقصير والإدانة. ربما تفرض الظروف الاقتصادية أو الفنية أو الاستثنائية.. تعديل بعض الجداول الزمنية. غير أنه لا يجوز أن يتحول الظرف الاستثنائى إلى مبرر دائم، أو أن يصبح التأجيل حقاً مكتسباً للمطور العقارى.

الاختبار الحقيقى هو: ما الذى سيحث بعد اكتشاف المخالفات واثباتها؟!

هنا تأتى الأهمية القصوى لقرار الرئيس.

قطعاً، النجاح ليس فى تشكيل اللجنة أو فى عدد التقارير التى ستصدر عنها، وإنما ما سيترتب على نتائج أعمالها من تحديد المشروعات العقارية المتأخرة وأسباب تأخرها. ومع بيان أسباب التعثر الخارج عن إرادة المطور العقارى، وبين التقصير الناتج عن سوء الإدارة والتخطيط والتنظيم. وسيناريوهات الحلول المقترحة فى منح المطورين العقارين المتعثرين لأسباب حقيقية على جدول زمنى جديد واضح وملزم. ومع توضيح الجزاءات التى سيتم فرضها عند إثبات الإخلال، والتعويض المناسب الذى سيحصل عليه العملاء المستفيدون.

المواطنون لا يحتاجون إلى المزيد من الوعود والأحلام، ولكن إلى معلومات دقيقة وموعد محدد وآلية واضحة للحصول على حقوقهم المهدرة. كما أن المطور العقارى الجاد لا يحتاج إلى حماية استثنائية، بل إلى سوق تحميه من منافسة غير عادلة لمن يبيع دون قدرة حقيقية على التنفيذ. حماية المواطن المشترى ليست خصومة مع المطورين العقاريين، وإنما هى حماية للمطور الملتزم، وحماية للسوق العقارية المصرية وسمعتها الاستثمارية.

نقطة ومن أول السطر..
المطلوب ليس معاقبة كل مطور عقارى متأخر، وليس مقبولاً إعفاء كل متعثر من مسؤوليته بحجة تغير الظروف أو ارتفاع التكاليف. المطلوب هو عدالة حقيقية دقيقة.. تستطيع بيان الفرق بين التعثر والتقصير، وبين الظرف الاستثنائى وسوء الإدارة، وبين المطور العقارى الذى يحاول الوفاء بالتزاماته ومن يتخذ التأجيل نهجاً مستمراً.

الأهم الشفافية فى إعلان النتائج ووضوحها.. ليعلم المشترون موقف وحداتهم التى تعاقدوا عليها، وسبب التأخير، والموعد النهائى للتسليم، والإجراء الذى سيتم اتخاذه فى حالة عدم الالتزام.

العقد هو الإطار القانونى الملزم للطرفين، والحق لا يجب أن يخضع للتأجيل.

الاختبار الحقيقى ليس بنجاح اللجنة فى رصد المشروعات المتعثرة والمتأخرة. بل فى مدى قدرة الحكومة على تحويل حماية حقوق المواطنين المشترين من مجرد توجيه إلى منظومة مستدامة.. لفرض الانضباط على الجميع دون استثناء.

القرار الرئاسى هنا.. أكبر من مجرد إجراء رقابى، إنه تأكيد على إرادة الدولة المصرية وقوتها فى ترسيخ مبدأ احترام هيبة العقد واكتساب ثقة المواطن وتعزيز مستقبل السوق العقارية.
نقلا عن المصرى اليوم