الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
مار جرجس كان موجود… هل ده يثبت وجود التنين؟ يعني إيه Legend؟
قبل ما نبدأ حوار طرشان جديد، لازم نحسم المصطلحين: الأسطورة: وهي موضوع البوست السابق: سردٌ مقدّس أو تأسيسيّ يتناول الآلهة والبدايات ونظام العالم وعلاقة الإنسان بالمقدّس.
أمّا Legend فلا يوجد لها مقابل عربيّ واحد مستقرّ. تُترجَم أحيانًا "أسطورة" أو "خرافة" أو "قصة بطوليّة"، ويعرّبها بعض الباحثين "الليجندة". وسأستعمل هنا، تعبير "الحكاية المأثورة" فهي تُروى بوصفها تاريخًا.
المشكلة أن كلمة Legend "الحكاية المأثورة" عندما يترجمها بعض الناس إلى "أسطورة" يمحو ذلك الفرق بينها وبين Myth. أما ترجمتها بـ"خرافة" فتوحي منذ البداية بأنّها كلام فارغ، بينما ترجمتها بـ"قصة بطوليّة" أضيق من معناها، لأن "الحكاية المأثورة" "Legend قد تدور حول بطل، لكنها قد ترتبط أيضًا بقدّيس أو ملك أو قرية أو ينبوع أو كنز مدفون أو بيت يُقال إن شبحًا يسكنه. وتعرّفها الموسوعة البريطانيّة بأنها حكاية تقليديّة، أو مجموعة حكايات، ترتبط بشخص أو مكان محدَّد، وقد تشتمل على عناصر خارقة أو ميثولوجيّة، لكنها تُروى بوصفها جزءًا من التاريخ. وهذا هو قلب "الحكاية المأثورة" Legend، إنها لا تبدأ عادةً بعبارة "في زمن الآلهة الأوّل"، بل تقول لك: هنا، في هذه القرية، عاش هذا الشخص، وحدث له كذا. إنها تثبّت الحكاية في اسم ومكان وزمن بشريّ، وتطلب من السامع أن يتعامل معها بوصفها خبرًا قابلًا للتصديق، ولو ظلّ البرهان التاريخي عليه ناقصًا أو غائبًا.
ولهذا ميّز عالم الفولكلور وليم باسكوم بين الأسطورة Myth و"الحكاية المأثورة" Legend. فالأسطورة تجري غالبًا في زمن البدايات، وتكون شخصيّاتها الرئيسة آلهةً أو كائنات فوق بشريّة، وترتبط ببنية العالم والعقائد والطقوس. أمّا الحكاية المأثورة فتجري في زمنٍ كان فيه العالم شبيهًا بعالمنا، وتكون شخصيّاتها الأساسيّة بشرًا: ملوكًا وقادةً وأبطالًا وقدّيسين (أولياء)، وتتعلّق بحروب وهجرات وانتصارات ومواضع وأحداث يُقال إنها وقعت بالفعل.
إذًا، الفرق بينهما ليس في درجة الكذب: الأسطورة ليست "كذبة ضخمة" والحكاية المأثورة "كذبة أصغر". الفرق يكمن في "نوع الحكاية ووظيفتها وعلاقتها بالزمن والتاريخ". حكاية إيزيس وأوزوريس أسطورة لأنها تتناول شخصيّات إلهيّة، والموت والخصوبة والملكيّة والنظام الكونيّ. أمّا حكاية مار جرجس والتنين فهي Legend "حكاية مأثورة" لأنها تربط مغامرة خارقة بشخص بشريّ معيَّن، ومدينة محدَّدة، وزمن يُفترض أنه يقع داخل التاريخ الإنسانيّ.
لكن عبارة "تُروى بوصفها تاريخًا" لا تعني أن كلّ تفاصيل الحكاية ثبتت تاريخيًّا. إنها تصف "طريقة تلقّي الجماعة للحكاية"، لا نتيجة التحقيق الأكاديميّ فيها. فقد تحتفظ الحكاية بذكرى شخص أو واقعة حقيقيّة، ثم تتراكم حولها التفاصيل والمبالغات والعناصر الأدبيّة مع انتقالها بين الأجيال. وقد تنتقل حكاية جاهزة من مكان إلى آخر، ثم ترتدي ملابس محليّة جديدة وتُنسب إلى بطل أو قدّيس آخر.
وتلفت الموسوعة البريطانيّة إلى هذه الظاهرة بدقّة: فبعض الحكايات التي تبدو ملكًا خاصًّا لشخص أو مدينة ليست في أصلها سوى حكايات شعبيّة واسعة الانتشار التصقت لاحقًا بذلك الشخص أو المكان. فالحكاية المشهورة عن الرامي الذي أُجبر على إصابة تفاحة فوق رأس ابنه لم تكن حكرًا على وليم تل، بل عُرفت في مناطق أوروبيّة متعدّدة قبل أن تصبح جزءًا من حكايته المأثورة. وهنا تظهر إحدى أهم وظائف الحكاية المأثورة "إنها تمنح حكايةً متوارثة عنوانًا وطنيًّا أو محليًّا، فتجعل الجماعة تراها جزءًا من تاريخها وهويّتها".
وهذا يفسّر لنا مثال مار جرجس والتنين على سبيل المثال. فلدينا شهادة مبكّرة على تكريم شهيدٍ مسيحيّ باسم جرجس منذ القرن الرابع، ويرجَّح أنه استشهد في الشرق الرومانيّ في زمن الاضطهادات. لكن معلوماتنا التاريخيّة الدقيقة عن حياته قليلة. أمّا حكاية الفارس الذي ينقذ المدينة والأميرة ويطعن التنين، فقد ظهرت وتطوّرت بعد زمن الشهيد بقرون، ثم انتشرت في الشرق والغرب، وذاعت صيغتها الغربيّة من خلال «الحكاية الذهبيّة» "Legenda Aurea" في القرن الثالث عشر.
فماذا يفعل الباحث؟ هل يقول: بما إن مار جرجس عاش فعلًا، يبقى التنين كمان عاش، وكان المفروض نلاقي له هيكل عظمي في متحف التاريخ الطبيعي؟ بالتأكيد لا. وهل يقول: «بما إن حكاية التنين متأخّرة، يبقى مفيش شهيد اسمه جرجس، والمسيحيّة كلها وقعت»؟ هذا أيضًا استنتاج لا علاقة له بالبحث التاريخيّ. الباحث يفصل بين ثلاثة أسئلة: هل يوجد دليلٌ تاريخيّ على شخص الشهيد؟ متى ظهرت حكاية التنين وكيف تطوّرت؟ وما الوظيفة الدينيّة والثقافيّة التي أدّتها صورة الشهيد المنتصر على الوحش؟ فوجود الشخص لا يجعل كلّ ما رُوي عنه تاريخًا، وعدم تاريخيّة تفصيلة ما لا يمحو الشخص نفسه من التاريخ.
بعبارة أبسط: وجود مار جرجس مش شهادة ميلاد للتنين، وعدم العثور على بطاقة التنين مش شهادة وفاة لمار جرجس!
وهذا التمييز ليس اختراعًا حديثًا أوجده مسيحيّون محاصرون على الفيسبوك. فقد وضع الأب اليسوعيّ هيبوليت ديليه، أحد كبار علماء المدرسة البولانديّة المتخصّصة في النقد التاريخيّ لسير القدّيسين، تعريفًا دقيقًا للحكاية المأثورة منذ أوائل القرن العشرين. فهي، وفقًا له، تمتلك بالضرورة صلةً تاريخيّة أو جغرافيّة: قد تنسب أحداثًا متخيَّلة إلى شخص حقيقيّ، أو تربط حكايةً بمكان محدَّد. وقد تكون الواقعة التاريخيّة أساسًا للحكاية أو مجرّد مناسبة التصقت بها؛ ثم يتولّى الخيال الشعبيّ توسيعها أو تغييرها. وحَسَب مقدار حضور الواقعة أو الخيال نقترب إمّا من التاريخ وإمّا من "الحكاية المأثورة".
والطريف أن أصل كلمة Legend نفسه كنسيّ! فاللاتينيّة "legenda" تعني «الأشياء التي ينبغي أن تُقرأ». وكانت تُستعمل للقراءات المتعلّقة بحياة القدّيس أو استشهاده في يوم عيده (مثل السنكسار في مصر)، من غير أن تكون في أصلها حكمًا على القيمة التاريخيّة لكلّ ما يُقرأ. ثم اكتسبت الكلمة تدريجيًّا معناها النقديّ الحديث، وصارت تُستخدم للحكايات غير الموثَّقة التي تراكمت حول الأشخاص والأماكن.
والحكاية المأثورة ليس شرطًا أن تكون قديمة أو دينيّة، فعندنا اليوم ما يسمّى "الحكاية المأثورة الحضريّة" "urban legend": حكاية عن واقعة غريبة يُصرّ الراوي أنها حدثت فعلًا "لواحد صاحب صاحبه". زي حكاية المسافر الذي استيقظ في حوض ممتلئ بالثلج ليكتشف أن كليته سُرقت، أو الرسالة التي تحذّرك من عصابة تستخدم طريقة عجيبة لخطف الناس. لا يوجد عادةً اسم يمكن التحقّق منه، ولا مستشفى، ولا محضر رسميّ، لكن كلّ راوٍ يعرف شخصًا يعرف شخصًا «حصلت له فعلًا»! هذه الحكاية المأثورة معاصرة، لأنها تُقدَّم في شكل خبر واقعيّ قريب، لا بوصفها أسطورة مقدّسة عن نشأة العالم. إذًا، الحكاية المأثورة ليست مرادفًا للتاريخ، وليست مرادفًا للكذب أيضًا. إنها مساحة تلتقي فيها الذاكرة بالتاريخ والخيال والهوية. وقد تحفظ قدرًا مهمًّا من الماضي، وقد تضيف إليه، وقد تنقل عناصر من حكايات أخرى، وقد تربط حدثًا متخيَّلًا بشخص أو مكان حقيقيّ. ولهذا لا يقبل المؤرّخ الحكاية كلّها دفعةً واحدة، ولا يرميها كلّها دفعةً واحدة؛ بل يبحث عن أقدم شاهد، ويقارن الصيغ المختلفة، ويتتبّع انتقال العناصر، ويميّز بين النواة التاريخيّة ومراحل نمو الحكاية.
أمّا حوار الطرشان الشعبي، فله طريق أقصر: المؤمن يعدّ كلّ ما ورثه عن بَطَل أو قدّيس وثيقةً تاريخيّةً واجبة التصديق، والملحد الشعبي يثبت أن إحدى التفاصيل متأخّرة أو متخيَّلة، ثم يعلن أنه هدم الشخص والتاريخ والدين معًا. المؤمن يريد إحياء التنين لكي يدافع عن الشهيد، والملحد يقتل التنين ثم يتخيّل أنه قتل الشهيد مرّةً ثانية! العقلانيّة الحقيقية ليست أن نختار بين تصديق الحكاية كلّها أو السخرية منها كلّها، بل أن نعرف أولًا: هل نحن أمام تاريخ، أم أسطورة Myth، أم حكاية مأثورة Legend؟ وما الذي يمكن إثباته؟ وما الذي أضافته الذاكرة الشعبيّة؟ وما الذي كانت الجماعة تريد التعبير عنه حين روت الحكاية بهذه الصورة؟
في الحكاية المأثورة الانتصار على التنين سهل جدًّا، خصوصًا لو كان مصنوعًا من ورق. لكنّ الأصعب هو أن نتعلّم كيف نقرأ.
بعض المراجع
Encyclopaedia Britannica, legend.
William R. Bascom, “[The Forms of Folklore: Prose Narratives, The Journal of American Folklore 78, no. 307 (January–March 1965): 3–20).
Hippolyte Delehaye, The Legends of the Saints: An Introduction to Hagiography, trans. V. M. Crawford (London: Longmans, Green, and Co., 1907).





