الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
عام ١٩٤٢، نشر ألبير كامو روايته «الغريب»، وافتتحها بجملةٍ قصيرة تكاد تختصر عالم الرواية كلّه: «اليوم ماتت أمّي. أو لعلّها ماتت بالأمس، لا أدري». لم يصدمني، بصفتي، قارئًا، خبر موت الأمّ بقدر ما صدمتني العبارة الأخيرة: «لا أدري». فالموت، الذي يُفترَض أن يهزّ الزمن ويقسم الحياة إلى ما قبله وما بعده، يصل إلى مورسو في برقيّةٍ إداريّة باردة، فلا يعرف إن كان قد وقع اليوم أم بالأمس. كأنّ اليومين متساويان، وكأنّ اللغة التي يُفترَض أن تحمل الفاجعة لا تحمل شيئًا سوى معلومةٍ مقتضبة، وموعدٍ للدفن، وتحيّة رسميّة.

شعرتُ بأنّ العبث هنا ليس فكرةً فلسفيّة يشرحها كامو للقارئ، بقدر ما هو إحساسٌ يتسرّب إليه منذ السطر الأوّل: العالم يمضي، لكنّه لا يفسّر نفسه! والأحداث تتوالى من غير أن تمنحنا معناها جاهزًا. تموت الأمّ، وتصل البرقيّة، ويُحدَّد موعد الجنازة، بينما يظلّ مورسو خارج المعنى الذي يمنحه المجتمع للفقد. لا يعلن أنّ موتها بلا قيمة، لكنّه يبدو عاجزًا عن التعبير عن حزنه بالطريقة التي يعترف بها الآخرون حزنًا. ومن هنا تبدأ غربته: ليس عن أمّه وحدها، بل عن اللغة والعادات والمحكمة الأخلاقيّة التي لا تكتفي بمحاكمة أفعاله، بل تقيس صدق إنسانيّته بقدرته على تمثيل المشاعر المتوقَّعة منه.

قرأتُ هذه الجملة أوّلًا بالعربيّة، وظلّت عالقةً في ذهني إلى درجة أنّ "الغريب"، مع "الأمير الصغير" لأنتوان دو سانت إكزوپيري، كانا أوّل عملين أدبيّين قرأتُهما بالفرنسيّة ما إن بدأت تعلّمها. كنت أريد أن أسمع الجملة في لغتها الأصليّة:
Aujourd’hui, maman est morte. Ou peut-être hier, je ne sais pas.

وربّما كنتُ أبحث، من خلال اللغة الجديدة، عن سرّ هذه البساطة المخيفة: كيف تستطيع كلماتٌ قليلة جدًّا أن تفتح كلّ هذا الفراغ، وأن تجعل القارئ، منذ السطر الأوّل، يقف أمام الموت والزمن والمعنى، ثمّ يسأل: أين يولد العبث؟ أفي صمت العالم، أم في توق الإنسان الذي لا يكفّ عن مطالبته بالمعنى؟ لعلّه لا يسكن أحدهما منفردًا، بل يولد في المسافة المتوتّرة بين عطش الإنسان إلى المعنى وصمت العالم.