أكرم ألفي
"سنسافر".. كلمة كانت مهيمنة على نقاش ضم 9 شباب في عمر 17 عاماً حول مستقبلهم، فأغلب نقاشات الشباب من أبناء الطبقة الوسطى المصرية يهيمين عليها موضوع "الهجرة" بحثاً عن مستقبل أفضل من وجهة نظرهم.
إن جيل "زد" من الطبقة الوسطى يعتبر السفر والهجرة هو الهدف الرئيسي له في اللحظة الراهنة، تعبيراً عن انغلاق شبه كامل للحراك الطبقي والاجتماعي، ليصنع موجة هجرة جديدة.
"هذا زمن الهجرة" بتعبير كاتبنا العظيم الراحل نجيب محفوظ، فشباب اليوم من طلاب الجامعات والخريجيين الجدد من الكليات العملية يرون أن هناك فرص كبيرة في الخارج وخاصة أوروبا وبلدان الخليج العربي. هذه الفرص التي فتح بابها الأزمة الديموجرافية الحادة التي تشهدها أوروبا بسبب انكماش السكان وانخفاض نسبة الشباب بشكل غير مسبوق والحاجة إلى أعداد ضخمة من القوة البشرية المدربة.
كانت أول تعبيرات موجة الهجرة الجديدة هو الحديث المتكرر عن أزمة الأطباء في مصر حيث صرح نقيب الأطباء في 2025 بأن نحو 7 آلاف طبيب مصري شاب هاجروا للعمل بالخارج خلال عام واحد، مشيراً إلى أن أكثر من 100 ألف طبيب مصري يعملون خارج مصر منهم 20 ألف في البلدان الأوروبية والباقي في بلدان الخليج العربي. كما كشفت دراسة حديثة عن أن 69% من الأطباء الشباب في بلدنا يرغبون في الهجرة. واقر وزير الصحة في يونيو الماضي بأن مصر تواجه ظاهرة هجرة الكوادر الطبية وأن الحكومة تعمل على معالجة النقص في أطقم الرعاية الصحية من خلال توفير حوافز مالية.
إن هجرة الأطباء الواسعة هي تعبير عن رغبة أبناء جيل زد من الطبقة الوسطى في البحث عن فرص خارج مصر كأولوية في ظل توفر هذه الفرص بالفعل مع ارتفاع الطلب بشكل غير مسبوق على العمالة الماهرة المصرية.
فبعيداً عن الطب، فإن رجل الأعمال المصري أحمد السويدي تحدث صراحة في ديسمبر 2025 عن أن نقص الفنيين المهرة سيكون أحد أكبر التحديات أمام الصناعة المصرية، مؤكدًا أن استمرار التوسع الصناعي يحتاج إلى أعداد كبيرة من العمالة الفنية المدربة. وعارض السويدي بشكل واضح في حديثه تصدير العمالة الماهرة في ظل احتياج السوق المصرية إليها، محذراً من أن عدم توافر العمالة الماهرة سيعرقل قدرة مصر على التصنيع.
وضع هجرة جيل زد يصبح أكثر وضوحاً في بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الذي كشف عن تسجيل 1.18 مليون تصريح عمل للمصريين بالخارج خلال 2025 بينهم 892 ألف تصريح جديد بزيادة تعادل 9% مقارنة بعام 2024 وبنحو 21% مقارنة بعام 2023!.
هذه الموجة الجديد للهجرة تتقلص تأثيراتها نسبياً مع مرور مصر بما يعرف بمرحلة "الهبة الديموجرافية" وتحول الشباب إلى فئة مهيمنة حيث تبلغ نسبة من هم في عمر 17 إلى 29 عاماً نحو 24% من السكان أي أكثر من 26 مليون شاب وشابة. ولكن القضية الرئيسية هي أن الكتلة الأكبر من الشباب المهاجر هي الشباب الأكثر مهارة وتعلماً من أبناء الطبقة الوسطى الحضرية.
الوجه الآخر للعملة تظهره بيانات تحويلات المصريين بالخارج التي بلغت خلال 2025 نحو 41.3 مليار دولار وتتجه أن تزيد عن 45 مليار دولار خلال 2026، في ظل وجود ما بين 12 إلى 16 مليون مصري بالخارج حالياً.
إن قضية هجرة "الكفاءات" من أبناء الطبقة الوسطى في مصر يحتاج إلى نقاش حقيقي يبدأ بفهم الصورة كاملة حول القطاعات المهنية الأكثر طلباً في الخارج وكيفية توفير البدائل للاقتصاد إلى جانب رسم خريطة كاملة وواضحة للشباب المصري في الخارج لإدراك مراكز الاستقطاب الجديدة للمهاجرين وصولاً لفهم كيفية إعادة رسم خريطة للأجور في قطاعات بعينها حتى لا تواجه أزمة تشغيل بسبب نقص الكفاءات والعمالة الماهرة.
في النهاية، عندما يدور النقاش بين الشباب حول الهجرة فإنني اتذكر جملة نجيب محفوظ في "ميرامار" أن "المهاجرون قوم وطنهم هو البلد الذي يوفر لهم السعادة"، فلا يمكننا أن نقف أمام سعي الشباب إلى فرص أفضل في ظل سوق عالمي متعطش للعمالة الماهرة في كافة القطاعات. فقط أتذكر أنه من واجبي أن أحذر من أن الأزمة الديموجرافية التي تتعمق في أوروبا وآسيا ستجعل هناك ما يشبه "الصراع" للحصول على الشباب المصري يجب علينا فهمه والتعامل معه وليس مجرد وصفه باعتباره "يحدث وسيحدث".





