دكتور بول غبريال - راعي الكنيسة العربية الكتابية - شيكاجو 

من أخطر آثار اليأس أنه لا يكتفي بإضعاف الرجاء، بل قد يدفع الإنسان إلى قبول العبودية والهزيمة هربًا من عبء المواجهة وثقل المقاومة. 

في قصة يابيش جلعاد، لم يكن الحصار مجرد تهديد خارجي، بل ضغطًا نفسيًا وروحيًا انتهى بهم إلى قولهم لناحاش العموني:

«اقْطَعْ لَنَا عَهْدًا فَنُسْتَعْبَدَ لَكَ»
(١ صموئيل ١١: ١)

لم يطلبوا خلاصًا، بل استسلامًا. وهنا تظهر خطورة أن يُقنع الإنسان نفسه بأن الهزيمة أقل ألمًا من الرجاء.

وهذه إحدى أخطر حيل عدو الخير: ليس دائمًا أن يسقط الإنسان فجأة، بل أن يُرهقه حتى يقتنع أن السقوط هو الحل.

لكن الكتاب يواجه هذا المنطق بوضوح:

«لأَنَّ الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ»
(أمثال ٢٤: ١٦)

لذلك لا تجعل فشلك مبررًا للاستسلام، ولا تجعل تأخر التغيير دليلًا على استحالته، ولا تسمح للضغط أن يثنيك عن قراراتك الروحية.

في لحظات الانكسار، يعلّمنا داود أن نعيد توجيه النفس:

«لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي؟ تَرَجَّيِ اللهَ»
(مزمور ٤٢: ٥)

وجوهر رسالة المسيح أنه لم يأتِ لتخفيف الأسر، بل لإنهائه:

«لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ»
(إشعياء ٦١: ١؛ لوقا ٤: ١٨)

ويؤكد إشعياء هذا التحول الإلهي:

«لأُعْطِيَهُمْ جَمَالًا عِوَضًا عَنِ الرَّمَادِ… وَرِدَاءَ تَسْبِيحٍ عِوَضًا عَنِ الرُّوحِ الْيَائِسَةِ»
(إشعياء ٦١: ٣)

هذه ليست مجرد تعزية، بل تغيير هوية: من رماد إلى جمال، ومن يأس إلى تسبيح.

لذلك يعلن المسيح بوضوح:

«فَإِنْ حَرَّرَكُمُ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا»
(يوحنا ٨: ٣٦)

وهنا تصبح الرسالة عملية: لا تسمح لأي ظرف أن يقنعك بأن العبودية هي قدرك، ولا لأي تأخير أن يطفئ إيمانك، ولا لأي سقوط أن يمنعك من القيام. 

وقصة يابيش جلعاد لم تنتهِ عند الاستسلام، بل عند التدخل الإلهي. فقد أرسل الله خلاصه عبر شاول، وانقلب الموقف تمامًا، وانكسر الحصار (١ صموئيل ١١: ٦–١١).

كانوا يظنون أن النهاية اقتربت، بينما كان الله يُعدّ بداية جديدة.

وهنا الحقيقة الأساسية: لا تتخذ قرارًا أبديًا تحت ضغط ظرف مؤقت.

قد يبدو الطريق مغلقًا، لكن هذا لا يعني أن الله غائب.
وقد يتأخر الفرج، لكن هذا لا يعني أنه لن يأتي.
وقد تتعثر، لكن السقوط ليس نهاية القصة.

«إِذَا سَقَطْتُ أَقُومُ… فَالرَّبُّ نُورٌ لِي»
(ميخا ٧: ٨)

عدو الخير يريد أن يحوّل الضغط إلى استسلام، والاستسلام إلى عبودية.
أما المسيح فيحوّل اليأس إلى رجاء، والرماد إلى جمال، والسقوط إلى قيام.

تمسك بالرجاء، واثبت في الصلاة، وقم بعد كل سقوط، لأن الكلمة الأخيرة ليست لليأس، بل لله.

«وَلكِنْ شُكْرًا للهِ الَّذِي يُعْطِينَا الْغَلَبَةَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ»
(١ كورنثوس ١٥: ٥٧)