حنان فكرى
خلف شاشة مضيئة، يجلس عشرات الآلاف ممن نصبوا أنفسهم قضاة. ومثلهم عشرات الآلاف من المدعين. وأكثر منهم الجلادين. يصدرون الحكم فى دقائق. ينفذون العقوبة فى ثوان. أما الاستئناف فلا مكان له فى محاكم العالم الافتراضى.
كلما وقعت جريمة هزت الرأى العام، تتحول منصات التواصل الاجتماعى إلى ساحة محاكمة مفتوحة. يترافع الجميع. يطالب الجميع بالعقاب، بل ويوقعون الجزاء فورًا، بينما تظل الحقيقة عالقة. إذ لم يعد الوصول إلى قاعة المحكمة يحتاج إلى عنوان. يكفى أن تفتح هاتفك.
خلف الشاشات يقبع من يرون فى أنفسهم أنصاف آلهة لا يخطئون، يديرون العالم الافتراضى بضغطة زر، و(بوست ولايك وشير)، يمارسون حقهم فى التعبير عن آرائهم، ويغتصبون حقوق الآخرين فى الخصوصية، والدفاع عن النفس، حيث لا توجد قواعد منظمة للمشاركات، ولا معايير تحافظ على مساحات الأمان التى من حق المواطن أن يتمتع بها المواطن حتى فى العالم الافتراضى.
ومع مرور الزمن اعتدنا الوضع كلما ظهر »تريند« جديد، وصرنا لا ننتبه، بل كثيرون فضلوا الابتعاد عن مواقع التواصل الاجتماعى تمامًا، حتى لا تطالهم أنيابها، لكن يوم الخميس الماضى، وبعد تداول أخبار عن القضية المآساوية التى تشغل الرأى العام حاليًا، للمحامية الشهيرة المتهمة بقتل والدتها، فوجئنا بأمرين فى منتهى الخطورة:
الأول: انخراط المواقع الإخبارية الموثوقة فى نشر صور مموهة لوجه المحامية المتهمة، تم استخراج صور شخصية من حسابها الخاص. وتقديمها للجمهور باعتبارها جزءًا من اللهاث نحو »السبق«. وبعض المواقع استخدمت الذكاء الاصطناعى فى تصميم مقاطع مرئية تصورالجريمة، بوجه المتهمة وهيئتها، وأنا لا أدافع عن المتهمة ولا يمكن أبدا التبرير لجرم بتلك البشاعة، أن ثبت ارتكابها له، لكننى أيضًا لا املك أدانتها لأننى مثل الجميع لا أعلم الحقيقة كاملة ولا الدوافع التى تقف خلف هذه الحقيقة، لكن فقط أتابع كيف يتحول الإنسان إلى مادة للاستهلاك، بينما تكفل له القوانين قرينة البراءة حتى تثبت إدانته.
الأمر الثانى: تغول التعليقات والمنشورات بدون انتظار حقائق رسمية معلنة، فالجريمة ليست ذات طابع سياسى ولا حقوقى، جريمة جنائية، وانتظار البيانات الرسمية فيها لن يغير من الأدلة والحقائق، فلماذا نستبق الأحداث، لماذا يستسهل البعض طريق الأحكام فى كل واقعة، ولا يسلك الطريق الذى يحترم العدالة، بانتظار البيانات الرسمية والنتائج التى تنتهى إليها جهات التحقيق. فلا اجتهاد فى الوقائع قبل اكتمالها.
علمتنا الحياة أن الواقع أغرب من الخيال أحيانًا ولا أحد يمكنه قراءة الغيب، لكن القضاة على منصات التواصل الاجتماعى صاروا بالآلاف، كلهم محللون سياسون وخبراء نفسانيون، كلهم يدلون بدلوهم، المهم هو التعبير، ولا شىء آخر، لكن ما يحيط بالشخص موضع الحديث، أبنائه عائلته، شريك حياته، كل هذا ليس له مكان فى أولوياتهم المضطربة.
ولا يقتصر الأمر على المحاكمات الفيسبوكية، لكنه يتجاوزه إلى المدافعات المجانية، التى تكون أحيانًا وقودًا مستترًا للهجوم المرتد على الضحايا والجناة فى آن واحد، القضايا الشائكة لا تحتاج لمدافعين مجانيين، ولا لتجارة تستخدمهم كآداة للشهرة وإذاعة الصيت، فالتريند أسقط الشهرة للأبد وجعل من أطراف كل واقعة وكل »تريند« مشاهير لبضعة أيام ثم تتوارى الشهرة ويبقى الوصم. وتنتقل الشبهات من خانات التعليق إلى يقين الواقع. فالخطر يبدأ عندما تتحول الشبهة إلى يقين. وعندما يصبح الاتهام حقيقة. وعندما تتولى المنصات وظيفة لم يمنحها لها القانون يومًا.
قد يخطئ إنسان. وقد يرتكب جريمة، وقد يدينه القضاء بأقصى العقوبات. لكن القانون، فى كل دول العالم التى تحترم العدالة، لا يعرف العقوبة الأبدية. العقوبة تبدأ بحكم، وتنتهى بتنفيذه. أما على منصات التواصل، فالعقوبة لا تنتهى أبدًا. تبقى الصورة.ويبقى الاسم. ويبقى الوسم. ويبقى الوصم، ويبقى البحث الإلكترونى يطارد صاحبه سنوات، حتى لو تمت تبرئته، أو أنهى عقوبته، أو تغيرت حياته بالكامل.فلسفة
نقلا عن وطنى





