في الذكرى الخامسة لرحيل أمي الغالية جوليا حنا عياد
مدحت قلادة
“طُوبَى لِلْأَمْوَاتِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فِي الرَّبِّ… لِكَيْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ أَتْعَابِهِمْ، وَأَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ.”
(رؤيا 14: 13)
تمر الأيام، وتتوالى السنوات، ويظن البعض أن الزمن ينجح في إطفاء نار الاشتياق. لكن الحقيقة التي تعلمتها بعد خمس سنوات من رحيل أمي الغالية جوليا حنا عياد، أن الزمن لا يمحو الحب، بل ينقّيه، ولا يدفن الذكريات، بل يجعلها أكثر إشراقًا وعمقًا.
خمسة أعوام مرت على انتقالها من الأرض إلى السماء، لكنها لم تغب يومًا عن حياتي. فما زلت أسمع صوتها الحنون وكأنه يرافقني في كل صباح، وما زالت كلماتها تتردد في أعماقي:
“يا ابني… قلبي وربي راضيين عليك.”
كم كانت هذه الكلمات تمنحني سلامًا يفوق كل وصف، وتشعرني أنني مهما واجهت من تعب أو قسوة في هذا العالم، هناك قلب كان يحبني بلا شروط، ويصلي من أجلي بلا انقطاع.
أعلم أن كل إنسان يرى أمه أعظم الأمهات، وهذا أمر طبيعي، لكن بالنسبة لي لم تكن أمي مجرد أم، بل كانت رسالة حب من الله إلى حياتنا.
لم تحمل شهادة في الطب النفسي، لكنها استطاعت بكلمة واحدة أن تعالج قلوبًا أثقلها الألم. لم تتخرج في الجامعات، لكنها خرجت أجيالًا تعلمت منها الصدق، والمحبة، والأمانة، والتواضع، والتفاني. لم تكن معلمة في مدرسة، لكنها كانت مدرسة كاملة للحياة، وكانت دروسها تُكتب بالمواقف لا بالكلمات.
كانت تؤمن أن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يمنحه للآخرين.
كانت ابتسامتها تسبقها إلى كل مكان، وكلمتها الطيبة تدخل البيوت قبل خطواتها. لم أعرف يومًا أنها ردّت محتاجًا، أو كسرت خاطرًا، أو حملت ضغينة في قلبها تجاه أحد.
كانت ترى صورة المسيح في كل إنسان، ولذلك أحبت الجميع دون تمييز.
بيتنا في وجودها لم يكن مجرد منزل، بل كان ملاذًا مفتوحًا للأهل، والأصدقاء، والجيران، ولكل من احتاج إلى كلمة عزاء أو لقمة محبة أو حضن أم.
كانت تؤمن أن المحبة ليست شعورًا يُقال، بل حياة تُعاش.
تعلمنا منها أن الأخ لا يعلو على أخته، وأن الابنة ليست أقل من الابن، وأن العدل داخل الأسرة هو أول درس في محبة الله. علمتنا أن الأسرة التي تصلي معًا تبقى معًا، وأن الغفران أقوى من الغضب، وأن الخدمة الحقيقية لا تنتظر شكرًا ولا مديحًا.
كانت الإنجيل المفتوح الذي قرأناه كل يوم دون أن نشعر.
واليوم، بعد خمس سنوات، أؤمن أنها لم تمت، لأن المسيح نفسه قال:
“أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا.”
(يوحنا 11: 25)
نحن لا نؤمن بإله للموتى، بل بإله الأحياء.
ولهذا فإن الفراق بالنسبة للمؤمن ليس نهاية، بل انتظار مقدس للقاء جديد، حين يمسح الرب كل دمعة من العيون، وحين لا يكون موت ولا حزن ولا وجع فيما بعد.
أشتاق إلى عينيها الممتلئتين حنانًا، وإلى ضحكتها الخارجة من أعماق قلبها، وإلى خوفها علينا، وإلى صلواتها التي كانت تسبقنا في كل خطوة.
وما زلت مؤمنًا أن القلب الذي عاش عمره كله يصلي من أجل الآخرين، لا يمكن أن يتوقف عن المحبة. وإن كانت اليوم في حضرة الرب، فأنا أتصور أن شغلها الشاغل ما زال هو نفسه: أن ترفع قلبها بالشكر والتسبيح لله، وأن تذكر أبناءها وكل من عرفتهم بمحبة أمام عرش النعمة، لأن من عاش على الحب لا يعرف في الأبدية إلا الحب.
أمي…
أشكرك لأنك علمتني أن الإيمان ليس كلمات تُقال، بل حياة تُعاش.
أشكرك لأنك زرعت فينا محبة المسيح قبل أن تعلمينا الكلام.
أشكرك لأنك علمتِنا أن الإنسان الحقيقي هو من يترك أثرًا في القلوب، لا في الحجر.
لقد رحل جسدك، لكن حضورك لم يرحل.
ما زالت ملامحك محفورة في ذاكرتنا، وصوتك يعيش في أعماقنا، وصلواتك ترافقنا، وقيمك تقود خطواتنا، ومحبتك تمنحنا القوة كلما ضعفت نفوسنا.
سيظل اسمك مرتبطًا بكل ما هو جميل في حياتنا.
وإذا كانت السنوات الخمس قد علمتني شيئًا، فهي أن الذين أحبونا في المسيح لا يتركوننا أبدًا؛ فهم ينتقلون إلى السماء، لكنهم يبقون يسكنون قلوبنا، ويعيشون في كل قيمة زرعوها، وفي كل صلاة رفعوها، وفي كل دمعة مسحوها.
هنيئًا لكِ يا أمي الغالية جوليا حنا عياد بالمجد الذي أعده الرب لكل الأمناء.
وإلى أن يأتي اليوم الذي يجمعنا فيه المسيح في ملكوته، سأبقى أردد بكل حب:
أنتِ لستِ ذكرى جميلة من الماضي، بل حضور دائم في القلب.
ستبقين أول حب عرفته، وأصدق حب احتضنني، وأنقى قلب علمني معنى الإنسان، وأجمل أم أنعم الله بها عليّ.
رحلتِ عن عيوننا، لكنك لم ترحلي عن أرواحنا.
نمّي بسلام في أحضان المسيح، يا أمي الحبيبة.
وإلى اللقاء… حيث لا فراق بعد، بل حياة أبدية، وفرح لا ينتهي، في حضرة الرب الذي أحببتِه وخدمتِه بكل قلبك






