الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
في إحدى المقابلات التلفزيونيّة، سألت مذيعة فرنسيّة أحد ضيوفها سؤالًا يسيرًا ظاهريًّا وعميقًا في الوقت نفسه: «إذا كان الله موجودًا، فما الذي تتمنّى أن تسمعه منه يوم موتك؟»
فأجاب الرجل على الفور: «Tiens, jexiste» «انظر... أنا موجود!»
ضحك الجمهور. فالجملة قصيرة وساخرة وذكيّة. لكنّها في الحقيقة تخفي وراءها طبقات متعدّدة من الأسئلة الفلسفيّة واللاهوتيّة.
للوهلة الأولى يبدو الجواب تعبيرًا عن الشكّ. فالرجل لا يقول إنّ الله غير موجود، وإلّا لما كان ينتظر سماع شيء منه أصلًا. كما أنّه لا يقول إنّه مؤمن بوجوده بصورة مؤكّدة. يبدو الرجل واقفًا في المنطقة الفاصلة بين الإيمان والإنكار. وكأنّه يقول: «أنا لا أعرف. وإذا اكتشفتُ بعد الموت أنّ الله موجود فعلًا، فستكون هذه المفاجأة الأولى».
ربّما هنا تكمن قوّة الجواب. فهو يعبّر عن حالة إنسان العصر الحديث. فالسؤال الذي كان يشغل الإنسان في القرون السابقة لم يكن عادةً: «هل الله موجود؟» بل: «كيف أخلص؟» أو «كيف أعيش حسب إرادة الله؟». أمّا الإنسان الحديث فقد أصبح منشغلًا بالسؤال الأوّل نفسه: هل الله موجود أصلًا؟ وهكذا تحوّل وجود الله من نقطة انطلاق إلى موضوع للنقاش والبحث والشكّ.
لكنّ المفارقة أنّ الإيمان المسيحيّ لا يرى الله كائنًا آخر داخل العالم يحتاج إلى أن يثبت وجوده لنا. ليس شيئًا إضافيًّا نكتشفه بين الأشياء. عندما سأل موسى الله عن اسمه، لم يقل له: «أنا موجود» بالمعنى العاديّ للكلمة، بل قال: «أنا هو الكائن». أي إنّ الله ليس موجودًا مثل باقي الموجودات، بل هو مصدر وجودها جميعًا.
لهذا السبب قد يبتسم اللاهوتيّ أمام هذا الجواب ويقول: ربّما لن تكون المفاجأة الكبرى بعد الموت أنّ الله موجود. المفاجأة الكبرى قد تكون أنّه كان حاضرًا طوال الوقت من دون أن ننتبه إليه. حاضرًا في بحثنا عن الحقيقة، وفي توقنا إلى العدالة، وفي جوعنا إلى المحبّة، وفي قلقنا أمام الموت، وفي أسئلتنا التي لم نجد لها جوابًا.
يقترب هذا من فكرة عميقة عند أغسطينوس. فالإنسان لا يبحث عن الله كما يبحث عن شيء مفقود، ولكنّ السبب هو أنّ الله نفسه قد سبق فزرع فيه هذا الحنين. لذلك كتب أغسطينوس عبارته الشهيرة: «لقد خلقتنا لك، وقلوبنا مضطربة حتّى تستقرّ فيك».
من هذه الزاوية يصبح جواب الرجل أكثر إثارة ممّا يبدو. لأنّه يتخيّل أنّه سيكتشف الله في نهاية الطريق. أمّا الإيمان المسيحيّ فيقترح احتمالًا آخر: أنّ الله كان يسير معه طوال الطريق، وأنّ اكتشافه الحقيقيّ لن يكون وجود الله ولكن حضوره.
وربّما لهذا السبب لا أظنّ أنّ أوّل ما سيقوله الله للإنسان، إن كان اللقاء موجودًا فعلًا، هو: "أنا موجود". فهذه حقيقة فلسفيّة. أمّا الكتاب المقدّس فيقدّم لقاءً أعمق من موضوع إثبات وجود. فالله في السرديّة الكتابيّة لا يعرّف نفسه أوّلًا بوصفه فكرة أو برهانًا، ولكنّه يقدّم ذاته بوصفه علاقة.
لذلك قد تكون المفاجأة الأكبر، وفقًا لروح الكتاب المقدّس، ليست أن نكتشف أنّ الله موجود، بل أن نكتشف أنّه كان يعرفنا ويبحث عنّا قبل أن نبدأ نحن البحث عنه. وعندها يتحوّل السؤال من سؤال الوجود إلى سؤال المحبّة، ومن سؤال البرهان إلى سؤال العلاقة، ومن الفلسفة إلى اللقاء.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





