(Magnifica Humanitas)
التأطيرُ الوثائقيّ (1)
(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
في مضمار الحديث عن "تأطيرِ" (وَضْعِ إطارٍ عامّ) للرسالة العامّة الأُولى للبابا لاوُن الرابع عشر «الإنسانيّة الرائعة» (Magnifica Humanitas)، قد تعرّضنا أعلاه إلى الإطار التعليميّ الخاصّ بـ"تعليم الكنيسة الاجتماعيّ" كمجموعةٍ متكاملة. أمّا في هذه السطور اللاحقة، سنتطرّق إلى إطارٍ آخر، ألا وهو "التأطير الوثائقيّ" لهذه الرسالة العامّة الجديدة. وبكلماتٍ أوضح وأدقّ، سنتناول –بإيجازٍ– مضامين الوثائق الحَبريّة والمجمعيّة الخاصّة بـ"تعليم الكنيسة الاجتماعيّ"، والمحطّات الحاسمة لتطوّرها التاريخيّ، بدايةً من البابا لاوُن الثالث عشر وصولًا إلى البابا لاوُن الرابع عشر، مرورًا بالمجمع الفاتيكانيّ الثّاني.
في الواقع، من خلال إلقاء نظرةٍ مدقّقة على حواشي الرسالة العامّة «الإنسانيّة الرائعة»، والبالغ عددها 224 حَاشِيَة، وكذلك بقراءةِ الفصل الأوّل منها (ولا سيّما البنود 28-45)، يتّضح جليًّا أنّ القِسم الأكبر من المصادر والمراجع والاقتبسات مرتبطٌ بوثائق حَبريّة ومجمعيّة ذي طابع اجتماعيّ. ولا غرابة في ذلك، إذ إنّ هذه الوثيقة الحَبريّة الجديدة مندرجةٌ بدورها ضِمْن وثائق "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ". ولذا، فالتساؤل الذي يُطرَح هو التالي: وَفقًا للرسالة العامّة «الإنسانيّة الرائعة»، ما هي هذه الوثائق الكنسيّة الاجتماعيّة؟ وما هو موجزُ مضامينها الأساسيّة؟
1. البابا لاوُن الثالث عشر ورسالته العامّة: «أمور-شؤون جديدة» (Rerum Novarum)
تُعَدُّ الرسالةُ العامّة للبابا لاوُن الثالث عشر «أمور-شؤون جديدة» (15 مايو/أيّار 1891)، أُولى وثائق تعليم الكنيسة الاجتماعيّ كمجموعةٍ متكاملة. إنّها، وَفقًا للبابا بيوس الحادي عشر، "الميثاق الرئيسيّ" لعمل المسيحيّين الاجتماعيّ (الرسالة العامّة «السّنة الأربعون» [15 مايو/أيّار 1931]، بند 39).
لقد تناولتْ هذه الرسالةُ العامّة "المسألةَ الاجتماعيّة" في سياق أوّل ثورةٍ صناعيّة كُبرى. وفي ذُروة "الثورة الصناعيّة"، قد أدانتْ هذه الرسالةُ العامّة كلًا من "الرأسماليّة الجامحة" و"الاشتراكيّة الماركسيّة"، مدافعةً عن حقّ "الملكيّة الخاصّة"، وكذلك عن كرامة الإنسان وكلّ إنسان، العدالة الاقتصاديّة، حقوق العُمّال في الحصول على أجرٍ عادل، وتشكيل النقابات المتعدّدة. وكما يؤكّد البابا لاوُن الرابع عشر:
«هي حجر الأساس في تطوّر سُلطة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ. تضع هذه الوثيقة كرامة العمل والعامل محورَ تفكيرها، وتؤكّد الحقّ في أجر عادل للعامل ولعائلته، وتعترف بأنّ للأشخاص قيمةً جوهريّةً تسبق رأس المال والرّبح، وتدافع عن الملكيّة الخاصّة إلى جانب وظيفتها الاجتماعيّة التي لا غنى عنها، وتقدِّر نقابات العمّال، وتقترح أشكالًا من التّعاون بين مختلف مكوّنات المجتمع كبديل لمنطق "الصّراع الطّبقي"» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 30).
وانطلاقًا من هذه الرسالة العامّة («أمور-شؤون جديدة»)، يسطع –على الأقلّ– مبدأَان مهمَّان: «أولويّة العمل البشريّ قبل أيّ منطق إنتاجي أو مالي محض، مع ما يترتّب على ذلك من اهتمام بالأشخاص والعائلات المعرّضة للاستغلال أكثر من غيرها، وارتباط لا ينفصم بين إعلان الإنجيل والبحث عن نظام اجتماعيّ فيه مزيد من العدل» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 30).
2. البابا بيوس الحادي عشر ورسالته العامّة: «السّنة الأربعون» (Quadragesimo anno)
لقد كَتَبَ البابا بيوس الحادي عشر هذه الرسالةَ العامّة «السّنة الأربعون»، التي أصدرها في الذكرى الأربعين لصدور الرسالة العامّة «أمور-شؤون جديدة» (15 مايو/أيّار 1931)، في أعقاب الكساد الكبير. وقدّم قداسة البابا رسميًّا مفهوم "التفويض" أو "المعاونة"، أي أنّ الأمور يجب أن تُحلّ من قِبل أدنى سُلطةٍ مختصّة أو السُّلطة المحليّة الأكثر اختصاصًا أيضًا.
ولا تكمن أهمّيّةُ هذه الرسالةَ العامّة، في تأكيد ما جاء في أُولى وثائق تعليم الكنيسة الاجتماعيّ فحسب. فهي «في خضمّ الأزمة الاقتصاديّة العالميّة الكبرى، تخطو خطوة أخرى في تطوير تعليم الكنيسة الاجتماعيّ. فهي لا تنحصر في استئناف "قضيّة العمّال"، بل توسّع نطاق النّظر ليشمل التّكوين الشّامل للنظام الاقتصاديّ والسّياسيّ». وكذلك، قد صاغت «بشكل منهجيّ مبدأ التّكامل واللامركزيّة في اتّخاذ القرار، الذي سيصير أحد المبادئ الدّائمة في التّعليم الاجتماعيّ، والذي ينصّ على أنّ ما يمكن أن يقوم به الأفراد والعائلات والهيئات الوسيطة والمجتمعات المحلّيّة يجب ألّا تستحوذ عليه الجهات العليا» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 31).
وانطلاقًا من تعاليم هذه الرسالة العامّة («السّنة الأربعون»)، توجد أفكارٌ اجتماعيّة ثلاثة لها صلةٌ خاصّة بواقعنا المعاصر: «الإدراك بأنّ الظّلم لا يقتصر على سلوكيّات الأفراد فقط، بل تشمل أيضًا الهيكليّات الاقتصاديّة والمؤسّسيّة، وقيمة مبدأ التّكامل واللامركزيّة في اتّخاذ القرار، الذي يدعو إلى تعزيز النّسيج المجتمعيّ والجماعيّ، وتجنّب أيّ تركيز جديد للسُلطة، والارتباط بين كرامة العمل، والأجر العادل، وإتاحة الفرصة الحقيقيّة للعائلات لعيش حياة كريمة ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 31).
3. البابا بيوس الثّاني عشر و"رسائله الإذاعيّة في مناسبة عيد الميلاد"
لقد رَسَمَ البابا بيوس الثاني عشر، في أربعينات القرن العشرين، وفي السياق المأسويّ للحرب العالميّة الثانية (1939-1945)، لا سيّما برسائله الإذاعيّة في مناسبة عيد الميلاد والذكرى الخمسين لصدور الرسالة العامّة «أمور-شؤون جديدة» (1941)، «ملامح نظام دولي قائم على الاعتراف بكرامة الإنسان وعلى العدل والسّلام. في تلك المناسبات، اقترح البابا حوارًا مع المجتمع انطلاقًا من دعوة صارمة إلى الحقّ الطّبيعي، الذي يُفهم على أنّه مجموعة من المبادئ الموضوعيّة التي تسبق مصالح الأفراد والدّول، والتي يجب أن تنظّم الحياة الدّاخليّة للأمم وعلاقاتها المتبادلة ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 32).
من ثمّ، وانطلاقًا من هذه الرسائل الإذاعيّة، «تظلّ ثلاثة توجّهات ذات أهمّيّة خاصّة: ضرورة تقديم الحقّ على المصلحة، والوعي بأنّ التّفاوتات الاقتصاديّة هي أرض خصبة للتوترات والعنف، وقيمة النّسيج المجتمعيّ القادر على التّوسّط بين الفرد والدّولة ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 32).
4. البابا يوحنّا الثالث والعشرون والرسالتان العامّتان: «أُمّ ومعلِّمة» (Mater et Magistra) و«سلام على الأرض» (Pacem in Terris)
في رسالته العامّة «أُمّ ومعلِّمة» (15 مايو/أيّار 1961)، ذكّر البابا يوحنّا الثالث والعشرين «بأنّ الكنيسة، بالرّغم من أنّ مهمّتها الأساسيّة هي التّقديس والبشارة بالخيرات الأبديّة، إلّا أنّها لا تهمل الاحتياجات العمليّة للحياة اليوميّة للناس، بل تهتمّ بكلّ خير إنسانيّ حقيقيّ». ومن ثمّ، لا بدّ من «الاهتمام بالأجر العادل للعمل، ومشاركة العمّال، والتّفاوتات المتزايدة بين البلدان» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 33).
وفي رسالته العامّة «سلام على الأرض» (11 أبريل/نيسان 1963)، التي أصدرها بعد وقتٍ وجيز من "أزمة الصواريخ الكوبيّة"، وقد وجّهها إلى المؤمنين وإلى جميع الناس "ذوي النوايا الحسنة" في آنٍ واحد، «ربط بشكل متكامل بين كرامة الإنسان والاعتراف بالحقوق والواجبات الأساسيّة، واقترح نظامًا للتعايش، حتّى على الصّعيد الدّولي، قائمًا على الحقيقة والعدل والمحبّة والحرّيّة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 33).
وعلى هذا النحو، «فإنّ الأفق العالميّ لندائه، والإشارة إلى حقوق الإنسان باعتبارها قواعد مشتركة، والاقتناع بأنّ السّلام الدّائم يتطلّب مؤسّسات وعلاقات بين الشّعوب مستوحاة من كرامة كلّ إنسان، تبقى ذات أهمّيّة كبيرة ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 33).
5. المجمع الفاتيكانيّ الثّاني والوثيقتان: الدستور الرعويّ «فرح ورجاء» (Gaudium et Spes) والمرسوم «كرامة الإنسان» (Dignitatis Humanae)
كما قِيل أعلاه، «كان المجمع الفاتيكانيّ الثّاني نقطة تحوّل في فهم الكنيسة لذاتها في العالم المعاصر. في الدّستور الرّعائي "فرح ورجاء - Gaudium et Spes"، قدّم لنا صورة كنيسة تقترب من البشريّة، وتلتزم تجاه العالم، وتكرّس نفسها للتفكير ليس في مخطّطات تجريديّة، بل انطلاقًا من واقعيّة الأوضاع التّاريخيّة. يتناول النّصّ القضايا الكبرى للزواج والعائلة، والحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، والمجتمع السّياسيّ، والحرب والسّلام، مؤكّدًا على أنّ الهيكليّات الاقتصاديّة والمؤسّسيّة لا تكون عادلة إلّا بقدر ما تخدم التّنمية المتكاملة للإنسان وتشجّع المشاركة المسؤولة للجميع. تكمن أهمّيّة هذه الوثيقة المجمعيّة بالنّسبة لتعليم الكنيسة الاجتماعيّ ليس فقط لأنّها فتحت آفاقًا للتفكير الموضوعيّ، بل أيضًا لأنّها قدّمت طريقة تمييز تدعو إلى قراءة التّحوّلات التّاريخيّة بنظرة إنجيليّة وكفاءة إنسانيّة. يُظهر هذا الأسلوب أنّ الحوار مع العالم ليس خيارًا تكتيكيًّا للكنيسة، بل هو طريقة ملموسة لرسالتها، لأنّ الإنجيل، مثل الخميرة، قادر على تحويل هيكليّات العيش معًا من الدّاخل وفتح مسارات نحو إنسانيّة أعمق. في هذا الأفق يندرج أيضًا الإعلان " كرامة الإنسان - Dignitatis Humanae"، الذي يعترف فيه المجمع بأنّ الحرّيّة الدّينيّة حقّ أساسيّ متجذّر في كرامة الإنسان، ويجب أن يضمنه النّظام القانونيّ حتّى لا يُجبر أحد على التّصرّف ضدّ ضميره أو يُمنع من البحث عن الحقيقة والاعتراف بها في السّرّ والعلن. هذا المبدأ، الذي له أهمّيّة كبيرة في عصرنا، يواصل تقديم معايير حاسمة للتعليم الاجتماعيّ من أجل حماية الإنسان وبناء مجتمعات تعدّديّة وسلميّة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 34).
[يُتبَع]





