الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
مع الإنترنت انتشر أكثر في السنوات الأخيرة نوع من الخطاب الدينيّ يحاول الدفاع عن ألوهيّة المسيح عن طريق المبالغة في نفي إنسانيّته. ومن الأمثلة على ذلك انتشار فيديو فيه يقول أحد الكهنة:
«أكتر بدعة اتبعتلك إن المسيح على الصليب كان بيمرّ بلحظات ضعف وانهيار، وزيها برضه المسيح في بستان جثسيماني كان بيمرّ بلحظات ضعف وانهيار. كلاهما خطأ، لأنّ مش ممكن اللي جاي وساع للصليب بإرادته، واللي قال: لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها، اللي ساع للصليب بإرادته مش ممكن يكون جيه في لحظة من اللحظات وانهار أو قرّر يضعف أو حسّ بمشاعر انهيار ومشاعر ضعف. من المستحيل منطقيًّا».
للوهلة الأولى يبدو الكلام دفاعًا عن المسيح. لكنّ المشكلة أنّه يدافع عن المسيح بطريقة تُفرغ التجسّد نفسه من معناه. فنحن هنا لسنا أمام مسألة: هل كان المسيح ضعيفًا بمعنى الخطيئة أو الاستسلام أو الإخفاق الأخلاقيّ؟ بالتأكيد لا. لكن هل اختبر المسيح الضعف الإنسانيّ؟ هل عرف الخوف؟ هل عرف الحزن؟ هل عرف الكرب أمام الموت؟ هنا يجيب العهد الجديد بوضوح: نعم.
المشكلة في هذا الخطاب أنّه يخلط بين الضعف والخطيئة. وكأنّ الإنسان إمّا أن يكون قويًّا بلا خوف ولا حزن ولا ألم، وإمّا أن يكون ساقطًا ومنهارًا. لكن هذا ليس تعليم الكتاب المقدّس، ولا تعليم الكنيسة. فالخوف من الموت ليس خطيئة، والحزن ليس خطيئة، والاضطراب أمام الألم ليس خطيئة. المسيح نفسه يقول في جثسيماني: «نفسي حزينة جدًّا حتّى الموت». ويقول الإنجيليّون إنّه «بدأ يكتئب ويضطرب». فهل كان الإنجيليون ينقلون إلينا مسرحيّة يؤدّيها المسيح؟ أم كانوا يصفون اختبارًا إنسانيًّا حقيقيًّا للمسيح بوصفه إلها وإنسانصا في الوقت نفسه؟
إنّ العبارة الأخطر في كلام الكاهن هي قوله إنّه «من المستحيل منطقيًّا» أن يشعر المسيح بمشاعر ضعف. لكن أيّ منطق هذا؟ إذا كان المسيح قد اتّخذ طبيعة بشريّة كاملة، فكيف يكون من المستحيل منطقيًّا أن يشعر بما تشعر به الطبيعة البشريّة؟ أليس الجوع ضعفًا بشريًّا؟ وقد جاع. أليس العطش ضعفًا بشريًّا؟ وقد عطش. أليس التعب ضعفًا بشريًّا؟ وقد تعب وجلس عند البئر. أليس البكاء علامة ضعف بشريّ؟ وقد بكى عند قبر لعازر. فإذا قبلنا كلّ هذه الأمور، لماذا يصبح الخوف أمام الموت أو الكرب في جثسيماني أمرًا مستحيلًا؟ وهل يمكن تخيّل حقيقة إنسانيّة المسيح من دون أن يمر بذلك كله؟ أليس هذا الكلام هو في الواقع سقوط في بدعة "الشكلانيّة" القائلة بأن المسيح اتّخذ ما يشبه جسدنا (يعيني واخد جسم إنسان بس كده وكده!)
في الحقيقة، ما يبدو «منطقيًّا» في هذا الخطاب ليس التجسّد، بل مفهوم صورة شعبيّة عن البطولة. فالبطل في المخيال الشعبيّ لا يخاف، لا يبكي، لا يتردّد، لا يتألّم من الداخل. لكن المسيح في الأناجيل ليس بطلًا أسطوريًّا من هذا النوع. قوّته لا تظهر في غياب الخوف ولكن في الأمانة للآب وسط الخوف. ولا تظهر في غياب الألم، ولكن في قبوله للألم وعدم الهروب منه وعدم تغيير أقواله أمام المحاكمة وأمام الخطر!
ولهذا السبب كانت الكنيسة القديمة حريصة جدًّا على الدفاع عن إنسانيّة المسيح الحقيقيّة. لأنّ الخلاص المسيحيّ لا يقوم على إله متنكّر في هيئة إنسان، بل على الكلمة الذي صار جسدًا حقًّا. وقد لخّص الآباء هذا الأمر في العبارة الشهيرة: «ما لم يتّخذه لم يشفه». فإذا لم يتّخذ المسيح الخوف الإنسانيّ، فمن الذي يشفي خوفنا؟ وإذا لم يدخل إلى عمق الألم البشريّ، فمن الذي يخلّص ألمنا؟
بل إنّ صرخة المسيح على الصليب: «إلهي إلهي لماذا تركتني؟» تفقد معناها في هذا المنطق الشعبي. لأنّها تصبح تمثيلًا أو اقتباسًا أدبيًّا وليس اختبارًا حقيقيًّا. بينما رأت الكنيسة في هذه الصرخة دخولًا إلى أقصى أعماق الألم البشريّ والوحدة البشريّة. ليس لأنّ الآب تخلّى عن الابن، ولكن لأنّ الابن دخل إلى المكان الذي يشعر فيه الإنسان بأنّه متروك ومهجور، لكي لا يبقى أيّ مكان في الخبرة البشريّة خارج حضور الله.
لذلك، فإنّ الخطر في هذا النوع من التعليم الذي يريد أن يرفع شأن المسيح أكثر من اللازم،يسقط في أنّه يقدّم مسيحًا يصعب على البشر الاقتراب منه. مسيحًا لا يعرف ما يشعرون به، ولا يختبر ما يختبرونه. مسيحًا غير إنسان! أمّا الإنجيل فيقدّم لنا شيئًا أعظم بكثير: ابن الله الذي دخل فعلًا إلى ضعف الإنسان، وعرف الجوع والعطش والتعب والحزن والخوف والموت، من دون أن يسقط في الخطيئة. وهذه ليست نقطة ضعف في الإيمان المسيحيّ، بل واحدة أعظم وأعمق أسراره.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





