بقلم / هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض 

أثار تصريح الإعلامي محمد الباز بأن “لولا ثورة يونيو ما كان الوجود المسيحي موجودًا الآن” حالة من الجدل، ليس فقط بسبب حساسية العبارة، بل لأنها تمس قضية تتجاوز اللحظة السياسية إلى عمق التاريخ والهوية والعقيدة.

ومن الموضوعية والإنصاف أن نُقَدِّر الدور الوطني العظيم الذي قام به الشعب المصري بمسلميه ومسيحييه في مواجهة خطر الجماعات الدينية المتطرفة، وأن نُثمِّن كذلك الدور الحاسم للرئيس عبد الفتاح السيسي ومؤسسات الدولة المصرية في حماية الدولة الوطنية ومنع انزلاق مصر والمنطقة إلى فوضى دينية وسياسية كان من الممكن أن تُهدد الجميع بلا استثناء.

لكن، في الوقت نفسه، فإن الوجود المسيحي في مصر لا يمكن اختزاله في معادلة سياسية مرتبطة بثورة أو نظام حكم أو ظرف تاريخي عابر؛ لأن هذا الوجود أقدم من الدول الحديثة، وأعمق من الأنظمة السياسية، وأرسخ من كل العواصف التي مرّت على هذه الأرض عبر أكثر من ألفي عام.

المسيحية في مصر… تاريخ يسبق الدول الحديثة دخلت المسيحية إلى مصر في القرن الأول الميلادي على يد القديس مرقس الرسول، لتصبح مصر واحدة من أقدم المراكز المسيحية في العالم.

ومنذ ذلك الحين، لم يكن الوجود المسيحي طارئًا أو وافدًا، بل أصبح جزءًا أصيلًا من التكوين الحضاري والروحي والوطني لمصر.
عبر التاريخ، واجه المسيحيون المصريون موجات هائلة من الاضطهاد والعنف والتهميش؛ بداية من الاضطهاد الروماني، مرورًا بصراعات العصور المختلفة، وصولًا إلى موجات التطرف على يد الجماعة المحظورة. ومع ذلك، بقيت الكنيسة المصرية قائمة، وبقي الشعب القبطي حاضرًا، محافظًا على لغته وتراثه وإيمانه وهويته الوطنية.
لقد سقطت إمبراطوريات، وتبدلت أنظمة، وتغيّرت خرائط سياسية، بينما ظل الوجود المسيحي المصري ثابتًا ومتجذرًا.

وهذا الثبات لم يكن مجرد نتيجة حسابات سياسية، بل نتاج عقيدة راسخة، ووعي وطني عميق، وتجربة تاريخية استثنائية.

في الإيمان المسيحي، لا تُفهم الكنيسة باعتبارها كيانًا سياسيًا مرتبطًا بسلطة أرضية، بل باعتبارها جماعة إيمانية يحفظها الله عبر التاريخ.

ويستند المسيحيون في ذلك إلى قول السيد المسيح في الكتاب المقدس:
“وأبواب الجحيم لن تقوى عليها”
(متى 16: 18).
كما يستندون إلى الوعد الإلهي الدائم بحضور الله وحمايته لشعبه: “ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر.”(متى 28: 20).
ومن هذا المنطلق، فإن بقاء المسيحية في مصر — بحسب الرؤية اللاهوتية المسيحية — ليس مرهونًا بوجود سلطة سياسية بعينها، ولا مرتبطًا بثورة أو نظام، بل مرتبط بإيمان عميق بأن الله هو الحافظ لكنيسته عبر الزمن.

وهذا لا ينتقص أبدًا من أهمية الدولة الوطنية أو دورها في الحماية وتحقيق المواطنة، بل يضع الأمور في إطارها الصحيح:
فالدولة تقوم بدورها التاريخي والوطني، أما بقاء الكنيسة فهو — في العقيدة المسيحية — جزء من الوعد الإلهي المستمر.
المسيحيون المصريون لم يكونوا يومًا جماعة منعزلة عن الوطن أو ضيوفًا على تاريخه، بل كانوا في قلب المشروع الوطني المصري عبر العصور.
شاركوا في مقاومة الاحتلال، وأسهموا في النهضة الثقافية والتعليمية والاقتصادية، وكانوا جزءًا من الحركة الوطنية الحديثة منذ ثورة 1919 التي رفعت شعار “الدين لله والوطن للجميع”.

كما أن الكنيسة القبطية نفسها لعبت دورًا تاريخيًا في الحفاظ على الهوية المصرية واللغة والتراث خلال قرون طويلة من الاضطراب السياسي والثقافي.
ومن الإنصاف أيضًا الاعتراف بأن المصريين المسلمين وقفوا مرارًا إلى جانب إخوانهم المسيحيين في المحن والأزمات، كما وقف المسيحيون دفاعًا عن وطنهم جنبًا إلى جنب مع المسلمين.

فالعلاقة الوطنية المصرية لم تُبنَ على منطق “الحماية” بقدر ما قامت على مفهوم “الشراكة في المصير”.
يمكن تفهُّم أن بعض التصريحات السياسية تأتي في سياق التأكيد على خطورة المرحلة التي مرت بها مصر بعد أحداث ثورة 30 يونيو، وعلى أهمية استعادة الدولة الوطنية ومنع سيطرة جماعات ذات توجهات إقصائية أو فاشية دينية.

وهذا تقدير مشروع تدعمه وقائع كثيرة عاشتها المنطقة.
لكن من المهم أيضًا ألا يتحول هذا التقدير إلى تصور يوحي بأن وجود فئة أصيلة من الشعب المصري كان مرتبطًا ببقاء نظام سياسي أو نجاح حدث سياسي بعينه.

فالوجود المسيحي في مصر لم يبدأ مع دولة حديثة، ولن ينتهي بزوال مرحلة سياسية؛ لأنه وجود ضارب في جذور التاريخ، ومحفوظ — في إيمان أصحابه — بعناية الله، ومدعوم كذلك بوعي المصريين جميعًا بقيمة دولتهم الوطنية وتنوعها الحضاري.

إن التجربة المسيحية المصرية تُعد نموذجًا فريدًا في العالم؛ نموذجًا لشعب تمسّك بإيمانه ووطنه عبر قرون من التحديات دون أن يفقد هويته أو ينفصل عن مجتمعه.

ولذلك، فإن قوة الوجود المسيحي في مصر لا تنبع فقط من الحماية السياسية، رغم أهميتها، بل من جذوره التاريخية، وعمقه الوطني، وإيمانه الراسخ بأن الله هو الحافظ لكنيسته عبر الأجيال.

ويبقى الأمل الحقيقي في استمرار الدولة الوطنية المصرية التي تتسع لجميع أبنائها، وفي بقاء روح الشراكة بين المسلمين والمسيحيين، باعتبارها أحد أعظم أسرار قوة مصر وبقائها عبر التاريخ.

نحن نحتاج إلى ضبط الأداء الإعلامي، والتدقيق فيما يُقدم للمشاهدين واحترامهم، والالتزام بميثاق الشرف الإعلامي ومدونة السلوك المهني، والبعد عن الأمور التي تحدث أي إثارة أو بلبلة. حيث خالف مثل هذا التصريح كود الأخلاق الذي نص على عدم الطعن في الثوابت الدينية، ومخالفة المادة (16) من لائحة الجزاءات والتي تنص على أن استخدام ألفاظ تؤذي مشاعر الجمهور مخالفة تقتضي توقيع الجزاء على المخالف.

والدستور المصري الصادر في 2014، في المادة 211 منه، أناط بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مسؤولية وضع الضوابط والمعايير اللازمة لضمان التزام الصحافة ووسائل الإعلام بأصول المهنة وأخلاقياتها والحفاظ على مقتضيات الأمن القومي، وأوجب عليه القانون رقم 180 لسنة 2018 اتخاذ الإجراءات المناسبة اللازمة لبلوغ تلك الغايات، وخوَّله من الاختصاصات والسلطات، وأتاح له استخدام العديد من التدابير وتوقيع ما يراه ملائمًا من الجزاءات المعينة له في هذا المقام.

وطبقًا للمادة 211 من الدستور الصادر عام 2014 والمادة (94) من القانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام واللوائح الصادرة تنفيذا له، فإن هذا التصريح خالف ميثاق الشرف الإعلامي ومدونة السلوك المهني في باب أولاً المبادئ العامة في فقراتها أرقام (2، 4، 6، 9) والتي نصت على التالي:

1. الفقرة رقم 2: احترام القيم المجتمعية وآداب وتقاليد المهنة.
2. الفقرة رقم 4: احترام الوحدة الوطنية.
3. الفقرة رقم 6: احترام الكرامة الإنسانية وعدم الإساءة إلى أي فئة من فئات المجتمع.
4. الفقرة 9: تنص على احترام حقوق الجماهير مستمعين ومشاهدين.

كما تنص الفقرة الثانية في باب الواجبات، على عدم مخالفة الالتزام بالموضوعية في التناول، والتوازن في عرض وجهات النظر، وعدم تغليب المصالح الخاصة على الاعتبارات المهنية.

وبناءً عليه، فإنني أطالب المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أعمالًا للمادة 94 من القانون رقم 180 لسنة 2018 — وهو المنوط به ضبط الأداء الإعلامي — اتخاذ قرار بإيقاف الاستاذ الدكتور محمد الباز عن الظهور الإعلامي، وإلزام جميع القنوات الفضائية بمنع ظهورها على شاشاتها، وإحالة الأمر إلى نقابته للتحقيق معه.

كذلك، نطالب اللجنة العليا لمواجهة الأحداث الطائفية — المشكلة بقرار رئيس الجمهورية رقم ٦٠٢ لسنة ٢٠١٨م — بمواجهة مثل هذه الدعاوى التي تنال من سلامة واستقرار الوطن، وذلك لمنع حدوث حالة من الاحتقان تضر بالمجتمع، ومواجهتها وفقًا للقانون بكل حزم، حفاظًا على الوحدة الوطنية وسلامة وأمن البلاد.