الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

حول حماية الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعيّ.
ومن الواضح منذ الصفحات الأولى أنّ البابا يضع نفسه بوعي داخل تقليد التعليم الاجتماعيّ للكنيسة، بل يربط رسالته مباشرةً بالرسالة التاريخيّة "الشؤون الحديثة" Rerum Novarum" للبابا لاوُن الثالث عشر، في الذكرى الـ١٣٥ لصدورها عام ١٨٩١. 

لكنّ اللافت فعلًا أنّ البابا لاوُن الرّابع عشر يتعامل مع الذكاء الاصطناعيّ بوصفه لحظةً حضاريّة وروحيّة تشبه التحوّلات الكبرى التي واجهتها الكنيسة في عصر الثورة الصناعيّة. فكما واجه لاوُن الثالث عشر "المسألة العمّاليّة" وصدام الإنسان مع الرأسماليّة الصناعيّة، يرى لاوُن الرابع عشر أنّ عصرنا يواجه خطرًا جديدًا: تجريد الإنسان من إنسانيّته داخل المنظومات الرقميّة والتقنيّة. 

لهذا يستخدم البابا صورتَين كتابيّتَين شديدتَي العمق: برج بابل، وأورشليم التي أعاد نحميا بناءها. بابل هنا رمزٌ لعالم يريد توحيد البشر قسرًا: لغة واحدة، ومنطق واحد، وسلطة واحدة، وكفاءة واحدة، حتّى لو ضاعت كرامة الإنسان واختفت الاختلافات. يرى البابا أنّ التكنولوجيا قد تتحوّل إلى "بابل جديدة" عندما تنحصر قيمة الإنسان في البيانات، والإنتاج، والخوارزميّات، والربح. أمّا "أورشليم" فتمثّل النموذج المقابل: مدينة تُبنى بالمشاركة، والتعدّد، والإصغاء، والمسؤوليّة المشتركة، لا بالسيطرة التقنيّة المطلقة. 

ومن أعمق ما في الرسالة أنّ البابا يرفض الحياد الساذج تجاه التكنولوجيا. فهو لا يقول إنّ التكنولوجيا شرّ، لكنّه يرفض أيضًا احتسابها محايدةً بشكلٍ تامّ. فالتكنولوجيا، حسب الرسالة، تحمل وجه مَن يصنعها ويموّلها ويوجّهها. لذلك يطرح السؤال المهمّ: مَن يمتلك السلطة التكنولوجيّة اليوم؟ ولأيّ غاية يستخدمها؟ 

وهنا تظهر استمراريّة الرسالة مع خطّ البابا فرنسيس، خصوصًا نقد "النموذج التكنوقراطيّ" في "كُن مسبَّحًا"»، لكن مع نقل النقاش إلى مرحلة أكثر حدّة: مرحلة الذكاء الاصطناعيّ، حيث لم تعد الآلة أداة فحسب بل بدأت تتدخّل في القرار، والوعي، والمخيال الجماعيّ نفسه. 

الرسالة إلى جانب كونها تقنيّة هي أنثروبولوجيّة ولاهوتيّة بعمق. فالبابا يصرّ على أنّ الإنسان ليس مشروعًا للكمال التقنيّ، ولا خطأ بيولوجيًّا يجب إصلاحه، بل كائن يحمل في ضعفه نفسه معنى إنسانيّته. ولهذا يرفض الوهم المعاصر الذي يَعِدُ بإلغاء كلّ ضعف بشريّ بواسطة التكنولوجيا. 

ومن هنا تأتي الجملة المحوريّة تقريبًا في الرسالة: «في عصر الذكاء الاصطناعيّ… يقع على عاتقنا واجبٌ ملحّ بأن نبقى إنسانيّين بعمق». 

إذًا، البابا لاوُن الرابع عشر بكتابته رسالة عن التكنولوجيا  إنّما يحاول أن يؤسّس لمرحلة جديدة من التعليم الاجتماعيّ الكاثوليكيّ: مرحلة يكون فيها السؤال المركزيّ ليس فقط: كيف نستخدم التكنولوجيا؟ بل أيضًا: أيّ إنسان نريد أن نصير؟ وأيّ عالم نبني؟ بابل جديدة… أم أورشليم جديدة؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

الرسالة الكاملة بالعربية