سامي سمعان
استقبل البابا لاون الرابع عشر صباح اليوم الاثنين في قاعة كليمنتينا بالقصر الرسولي بالفاتيكان أعضاء المجموعة البرلمانية المشتركة في البرلمان الأوروبي حول الديموغرافيا ووجه لضيوفه خطاباً سلط فيه الضوء على الدور الهام الذي تلعبه الأسرة في المجتمع، مع التأكيد على أن الأطفال هم المستقبل الحقيقي للمجتمعات.
شدد الحبر الأعظم في خطابه على خطورة الأزمة الديموغرافية التي تواجه أوروبا اليوم، معتبراً أن تراجع معدلات الولادة وشيخوخة السكان لم يعودا مجرد أرقام وإحصاءات، بل أصبحا قضية تمس مستقبل المجتمعات الأوروبية بأكملها لافتا إلى أن هذه الأزمة تؤدي إلى نتائج اجتماعية واقتصادية خطيرة، من بينها انتشار الشعور بالوحدة وضعف التضامن بين الأجيال، وهو ما يهدد استقرار المجتمعات ومستقبلها. كما أكد البابا أن الأطفال يمثلون المستقبل الحقيقي، وأن أي تنمية مستدامة لا يمكن أن تتحقق من دون تعاون وتوازن بين الأجيال المختلفة.
تحدث لاون الرابع عشر بعدها عن تراجع القيم المسيحية التي قامت عليها المؤسسات الأوروبية، معتبراً أن هذا الابتعاد ساهم في خلق حالة من "العقم" الاجتماعي والثقافي، ليس فقط بسبب انخفاض عدد الولادات، بل كذلك بسبب فشل المجتمعات في توفير الوسائل المادية والثقافية التي يحتاجها الشباب لبناء مستقبلهم. وأشار إلى وجود بعض السياسات التي تدعي دعم الأسرة، لكنها في الوقت نفسه تقلل من قيمة الأمومة، وتعتبر الإجهاض حقاً، الأمر الذي يضعف الرغبة في تكوين الأسرة ويؤثر سلباً على البنية الاجتماعية.
هذا ثم أكد الحبر الأعظم في كلمته إلى البرلمانيين الأوروبيين أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تعاوناً واسعاً بين المؤسسات السياسية والأكاديمية والاجتماعية، لأن القضية الديموغرافية ليست مشكلة محدودة، بل هي قضية تتعلق بالمستقبل الإنساني والاجتماعي والاقتصادي لأوروبا. وتوقف عند أهمية الحوار بين مختلف المؤسسات الأوروبية والحكومات والمجتمع المدني، بما في ذلك الجماعات المسيحية، من أجل إيجاد حلول جديدة ومبتكرة. وفي هذا السياق، حاول البابا أن يسلط الضوء على الدور الأساسي للأسرة، مؤكداً أنها "المدرسة الأولى للحياة الاجتماعية"، وأنها تقوم على الزواج بين الرجل والمرأة. وأضاف أن الأسرة تلعب دوراً محورياً في بناء المجتمع وتعزيز المسؤولية المشتركة والمشاركة الاجتماعية والثقافية والسياسية. لذلك، يجب احترام مكانة الأسرة ودعمها من خلال سياسات تقوم على مبدأ التعاون والتكامل، بعيداً عن التدخل المفرط للدولة أو الفردية المبالغ فيها.
بعدها أوضح البابا لاون الرابع عشر أن الدعوة إلى دعم الأسرة لا تعني العودة إلى نماذج اجتماعية قديمة، بل تهدف إلى تقديم مبادئ إنسانية ثابتة تساعد الإنسان المعاصر على مواجهة الأسئلة الكبرى المتعلقة بمعنى الحياة وطبيعة المجتمع والمستقبل الذي نريد أن نورثه للأجيال القادمة. ومن هنا، دعا البابا إلى وضع سياسات وطنية وأوروبية بالتعاون مع المجتمع المدني، بما يضمن حماية كرامة الإنسان وتحسين جودة الحياة للجميع.
في ختام خطابه إلى أعضاء المجموعة البرلمانية المشتركة في البرلمان الأوروبي حول الديموغرافيا شدد البابا على أن أوروبا تحتاج إلى "ربيع جديد للأسرة" من أجل التغلب على أزمة الشيخوخة السكانية واستعادة الحيوية الاجتماعية، معرباً عن دعمه لكل الجهود الرامية إلى تعزيز كرامة الإنسان وحماية الأسرة ومتمنياً النجاح للمشاركين في عملهم من أجل خير المجتمعات والأجيال المقبلة.




