نيفين سوريال

الغيرة الشريرة
تُعتبر من أخطر الصفات لأنها تُفسد القلب وتدفع الإنسان إلى الكراهية والانقسام وحتى العنف، الكتاب المقدس يوضح كيف أن الغيرة كانت سببًا في سقوط كثيرين عبر التاريخ. أول خطية ارتبطت بالكبرياء والرغبة في الارتفاع كانت عندما قال الشيطان في قلبه “أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ” — )سفر إشعياء 14:13-14(. ومن هذه الخطية دخل السقوط والفساد إلى العالم لأن القلب عندما يمتلئ بالكبرياء والغيرة يبتعد عن الله ويفتح بابًا للظلمة.

والغيرة كانت أيضًا سبب قتل هابيل إذ يقول الكتاب عن قايين “فَاغْتَاظَ قَايِينُ جِدًّا وَسَقَطَ وَجْهُهُ” — )سفر التكوين 4:5( ثم بعد ذلك “وَقَامَ قَايِينُ عَلَى هَابِيلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ” — )سفر التكوين 4:8.( فالغيرة لم تكتفِ بالحسد الداخلي بل تحولت إلى كراهية ثم إلى قتل ودمار.

وهكذا يحدث أيضًا في حياة البشر عندما يفتح الإنسان قلبه للحسد والكراهية بدلًا من المحبة والحق. فكم من بيوتٍ دُمِّرت، وكم من علاقاتٍ انتهت بسبب الغيرة والافتراء والكذب.

انتهت علاقة أختين بسبب الغيرة؛ فقد كانت الأخت الكبرى مثالًا للتضحية والمحبة تجاه أختها الصغرى. كانت تذهب إليها يوميًا لتخدمها، وتحبها بمحبة صادقة من القلب، وتحميها وتصلي لأجلها كل يوم. حتى إن زوجها كان يضربها ويهينها بسبب ذهابها المستمر لخدمة أختها والصلاة لأجلها، ومع ذلك ظلت ثابتة في محبتها وصبرها.

لكن الأخت الصغرى كانت تقابل هذه المحبة بالأذى؛ فتسببت لأختها في مشكلات كثيرة، وكانت تعتدي عليها، وتزرع الخصومات بينها وبين أصدقائها، وتفسد حياتها مع زوجها. كما كانت تخبر الناس أن أختها هي سبب المشكلات، بينما الحقيقة كانت عكس ذلك تمامًا.

وبعد هذا الانفصال كادت الأخت الكبرى أن تدخل في اكتئابٍ شديد، لأنها أدركت أن أختها لا تريد أن تتغيّر ولا تقبل الحق. لكن النهاية كانت مخيفة، لأن الشر لا يبقى بلا ثمر؛ فالإنسان عندما يسلّم قلبه للحسد والكذب والخداع يفتح أبواب الظلمة على حياته. ولذلك يقول الكتاب: "الرَّجُلُ اللَّئِيمُ يُنْشِئُ خِصَامًا، وَالنَّمَّامُ يُفَرِّقُ الأَصْدِقَاءَ.” — (سفر الأمثال 16:28) وما حدث بعد ذلك كان دمارًا كاملًا؛ إذ امتلأ بيت الأخت الصغرى بالكذب والخداع والظلمة، وتأذّى الأولاد أيضًا، لأن الخطية لا تؤذي شخصًا واحدًا فقط، بل تمتد لتفسد كل ما حولها.

وكان هناك أيضًا خادمٌ أنانيٌّ جدًا يعبد المال والشهرة، ويتكلم باسم الرب بينما قلبه بعيد عن الله. كان يقول: “قال الرب”، لكنه لم يكن ممتلئًا من روح الله، بل كان يعيش حياةً مزيفة بالكامل، وسط الزنى والسرقة والخداع. وكان يغار بشدة من خادمٍ آخر أمين مع الرب، لأن النور دائمًا يفضح الظلمة.

فبدأ يزرع الخصومات، ويشوّه صورة الخادم الأمين، ويحاول أن يرفع نفسه بالكذب والخداع. لكن الله كشف أعماله، وانفضحت أسراره كلها، وظهر ما كان يفعله من سرقة ونهب وخداع، لأن الكتاب يقول: "لأَنَّهُ لَيْسَ خَفِيٌّ لاَ يُظْهَرُ، وَلاَ مَكْتُومٌ لاَ يُعْلَمُ وَيُعْلَنُ.” — (إنجيل لوقا 8:17). فالغيرة الشريرة جعلته يحارب الإنسان الأمين بدلًا من أن يتوب ويرجع إلى الله، فكانت نهايته مُرّة، لأن الإنسان الذي يبني حياته على الكذب والخداع يسقط في النهاية مهما حاول أن يظهر بصورة القداسة. ولذلك يقول الكتاب: “قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ تَشَامُخُ الرُّوحِ.” — (سفر الأمثال 16:18)

الكتاب المقدس يذكر أمثلة كثيرة عن الغيرة الشريرة:
غيرة إخوة يوسف منه لأن أباه أحبه والأحلام كانت معه “فَحَسَدَهُ إِخْوَتُهُ” — (سفر التكوين 37:11). الغيرة جعلتهم يبيعونه عبدًا.

غيرة شاول من داود عندما صار الناس يمدحون داود “فَاغْتَاظَ شَاوُلُ جِدًّا وَمِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ كَانَ شَاوُلُ يُعَادِي دَاوُدَ” — (سفر صموئيل الأول 18:8-9).
والغيرة أيضًا كانت سببًا في إلقاء دانيال في جب الأسود لأن رؤساء المملكة حسدوه بسبب نعمة الله عليه “فَكَانَ دَانِيآلُ هذَا مُفَضَّلًا عَلَى الْوُزَرَاءِ وَالْمَرَازِبَةِ لأَنَّ فِيهِ رُوحًا فَاضِلَةً” — سفر دانيال 6:3 ولهذا سعوا لإهلاكه وألقوه في الجب. كما أن الغيرة والحسد كانا من أسباب فساد الشعب وانقسامه عبر العصور لأن “لأَنَّهُ حَيْثُ الْحَسَدُ وَالْخِصَامُ هُنَاكَ التَّشْوِيشُ وَكُلُّ أَمْرٍ رَدِيءٍ” — رسالة يعقوب 3:16).

الغيرة الدينية الفاسدة مثل غيرة رؤساء اليهود من المسيح “لأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوهُ حَسَدًا” — (إنجيل متى 27:18). كانوا يغارون من محبة الناس للمسيح وسلطانه.

أما عن بطرس فالكتاب لا يقول إنه كان يغار من يوحنا الحبيب لكن بعد قيامة الرب سأل عن مصير يوحنا فقال “يَا رَبُّ وَهذَا مَاذَا؟” — (إنجيل يوحنا 21:21). فأجابه الرب “إِنْ كُنْتُ أَشَاءُ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى أَجِيءَ فَمَاذَا لَكَ؟ اتْبَعْنِي أَنْتَ” — (إنجيل يوحنا 21:22). والرسول بولس أيضًا تعرض لغيرة الناس وحسدهم “فَلَمَّا رَأَى الْيَهُودُ الْجُمُوعَ امْتَلَأُوا غَيْرَةً” — (سفر أعمال الرسل 13:45).

الغيرة الجسدية بين الناس وهي الغيرة الناتجة من الشهوات أو حب الامتلاك أو التفاخر “لأَنَّهُ حَيْثُ الْحَسَدُ وَالْخِصَامُ هُنَاكَ التَّشْوِيشُ وَكُلُّ أَمْرٍ رَدِيءٍ” — (رسالة يعقوب 3:16). 

ولذلك يحذر الكتاب المقدس جدًا من الغيرة الشريرة إذ يقول “لأَنَّ الْغَضَبَ يَقْتُلُ الْأَحْمَقَ وَالْغَيْرَةَ تُمِيتُ الْغَبِيَّ” — (سفر أيوب 5:2). كما أن الغيرة والحسد كانا من أسباب فساد الشعب وانقسامه عبر العصور لأن “لأَنَّهُ حَيْثُ الْحَسَدُ وَالْخِصَامُ هُنَاكَ التَّشْوِيشُ وَكُلُّ أَمْرٍ رَدِيءٍ” — (رسالة يعقوب 3:16).
الغيرة الصالحة أو المقدسة

لكن توجد أيضًا غيرة مقدسة وهي الغيرة على الله والحق مثل غيرة إيليا وفينحاس حين رأى الشعب يسقط في الخطية وعبادة الأوثان فقام بدافع الغيرة لله ووقف ضد الشر فقال الرب عنه “فِينْحَاسُ رَدَّ سَخَطِي عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِكَوْنِهِ غَارَ غَيْرَتِي فِي وَسَطِهِمْ” — (سفر العدد 25:11).

عندما يملأ الروح القدس القلب بثمره يمتلئ القلب بالغيرة المقدسة وهي الغيرة على الله والحق مثل غيرة إيليا النبي. كان هؤلاء الأنبياء والرسل معروفين بغيرتهم القوية لله عندما يسقط الشعب في الخطية لذلك الفرق مهم بين الغيرة الشريرة الناتجة من الحسد والكبرياء والغيرة المقدسة الناتجة من محبة الله. وهذه ليست حسدًا بل غيرة نابعة من المحبة لله أو الخوف على الآخرين “كَانَ غَيُورًا غَيْرَتِي فِي وَسَطِهِمْ” — (سفر العدد 25:11).

أمثلة على الغيرة المقدسة الصالحة:
غيرة المسيح على بيت الله عندما طهّر الهيكل “غَيْرَةُ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي” — (إنجيل يوحنا 2:17).

غيرة بولس الرسول على المؤمنين ليس لأنه يريد مجدًا لنفسه بل لأنهم يثبتوا مع الرب “فَإِنِّي أَغَارُ عَلَيْكُمْ غَيْرَةَ اللهِ” — (رسالة كورنثوس الثانية 11:2).

كيف نعرف إن الغيرة شريرة أم مقدسة

الغيرة الشريرة تُتعب القلب، وتجعل الإنسان يقارن نفسه بالآخرين، ويفرح بسقوط غيره، ويكره نجاح الناس، وتقوده إلى الخصام والانقسام. ولذلك يقول الكتاب: "الْحَسَدُ نَخَرٌ فِي الْعِظَامِ.” — (سفر الأمثال 14:30)

أما الغيرة المقدسة فهي غيرة تدفع الإنسان إلى القداسة، وتغار على الحق، وتحب الخير للآخرين، وتطلب مجد الله لا مجد النفس. فهي نابعة من المحبة والطهارة ومخافة الرب. ومن أجمل الآيات التي تشرح هذا المعنى: "الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ.” — (رسالة كورنثوس الأولى 13:4)، وأيضًا: "لاَ نَسْتَحِلَّ مَجْدًا بَاطِلًا مُحَاكِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا وَحَاسِدِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا.” — (رسالة غلاطية 5:26)

فالكتاب المقدس يفرّق بوضوح بين الغيرة الشريرة الناتجة من الحسد والكبرياء والكذب، وبين الغيرة المقدسة الناتجة من محبة الله والحق والقداسة.

هناك غيرة شريرة تُفسد القلب، وتأتي من المقارنة وعدم الرضا، وغالبًا ما تقود إلى الكراهية والخصام وربما العنف. وقد كانت الغيرة سببًا في سقوط كثيرين عبر التاريخ، لأن القلب الممتلئ بالحسد يبتعد تدريجيًا عن السلام والمحبة. أما الغيرة الحسنة المقدسة، فهي تدفع الإنسان للتوبة والاقتراب من الله، وتشجعه أن يعيش في الحق والمحبة دون أن يهدم الآخرين أو يكرههم.

فكن غيورًا للحق، لا غيورًا من الناس… وتُب إلى الله بقلب نقي.