د. مينا ملاك عازر
في عالم السياسة الدولية، لا توجد ثوابت مطلقة؛ فالأجواء التي كانت قبل ساعات مشحونة بنذر صدام عسكري وشيك وقاذفات تتحرك في الأجواء، تبدلت فجأة لتفسح المجال أمام لغة الدبلوماسية والغرف المغلقة. نحن نلهث وراء الحقيقة في مشهد متسارع ومتضاد؛ فبينما كنا نرصد المؤشرات الميدانية والمخاض العسكري، جاءت التطورات الأخيرة لتبرهن على أن حافة الهاوية غالباً ما تكون اللحظة التي تسبق التوقيع، وأن التهديد بالقوة الغاشمة كان الأداة الأخيرة لفرض شروط التفاوض.
كواليس التحول السريع: من قاذفات البي 2 إلى صفقات التهدئة
هذا الانتقال المفاجئ من قرع طبول الحرب إلى التهدئة ليس تناقضاً، بل هو جوهر الاستراتيجية الأمريكية الإيرانية في إدارة الأزمات؛ واشنطن استخدمت أقصى درجات الضغط العسكري عبر حشد القاذفات الشبحية والقطع البريطانية لإفهام طهران أن البديل عن التفاوض هو التدمير الشامل، بينما استخدمت إيران ورقة إغلاق مضيق هرمز وتأسيس هيئة إدارية لرفع تكلفة الحرب على الاقتصاد الأمريكي وضغط أسعار النفط. وعندما أدرك الطرفان أن الاستمرار في التصعيد يعني مواجهة صفرية لا يتحملها أحد، انفتحت طاقة المقاربات الدبلوماسية برعاية أطراف إقليمية لترتيب بنود اتفاق يحمي مصالح الجميع.
1- الوساطة الباكستانية وحقيقة الاتفاق المؤقت:
المعطيات المؤكدة تشير إلى أن زيارة قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، إلى طهران لم تكن مجرد زيارة تحذيرية، بل كانت الحجر الأساس الذي بُني عليه هذا التحول؛ وبصفته الممسك الفعلي بملفات الأمن القومي والوسيط العسكري الموثوق، نجح في صياغة مسودة "اتفاق مؤقت" لإنزال الطرفين من على الشجرة.
لكن في مقابل هذا التفاؤل، نقلت منصة ميدل إيست أونلاين عن مسؤول باكستاني رفيع المستوى تحذيراً رصيناً مفاده أنه لا يمكن اعتبار هذا الاتفاق نافذاً أو مضموناً إلا بعد التوقيع الرسمي عليه والبدء في تطبيقه على الأرض؛ فالشياطين تكمن دائماً في التفاصيل العالقة، وأي هفوة ميدانية قد تعيد الأمور إلى مربع الصفر.
2- بنود التفاهمات والمفاتيح الشائكة: النووي وهرمز:
التقارير المتطابقة تكشف أن المسودة الحالية للاتفاق تقترب من حلحلة العقدتين الأكثر تعقيداً عبر معادلة صريحة:
أ- ملف مضيق هرمز: يتضمن الاتفاق تجميد إيران للعمل بالهيئة الإدارية الجديدة للمضيق، والتعهد بضمان حرية الملاحة الدولية الكاملة وعدم التعرض للناقلات، مقابل تراجع بريطانيا وأمريكا عن التحركات البحرية الهجومية وإعادة سحب القطع الثقيلة إلى القواعد الخلفية.
ب- الملف النووي: تقبل طهران بوضع حد أقصى لتخصيب اليورانيوم لا يتجاوز المستويات السلمية الحالية، مع عودة رقابة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل تخفيف أمريكي تكتيكي للعقوبات الاقتصادية والسماح لإيران بتصدير كميات محددة من نفطها بشكل رسمي لتخفيف أزمتها المالية.
3- القلق الإسرائيلي المكتوم: تقارب واشنطن وطهران:
هذا التغير السريع أحدث هزة ارتدادية في تل أبيب؛ حيث كشفت شبكة أكسيوس أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يعيش حالة قلق عميق من هذا التقارب الأمريكي الإيراني المفاجئ في وجهات النظر. إسرائيل ترى في أي اتفاق مؤقت يبرمه ترامب مع طهران "طوق نجاة" للنظام الإيراني يمنحه الوقت لإعادة ترتيب أوراقه والالتفاف على الضغوط دون تفكيك كامل لبنيته النووية، وهو ما يفسر لماذا كانت تل أبيب تدفع نحو خيار الضربة العسكرية الشاملة قبل أن تتبدل البوصلة نحو طاولة المفاوضات.
الخلاصة أن ما نكتبه اليوم هو انعكاس واقعي ومحايد لمعادلة المصالح التي تحكم العالم؛ فالحرب لم تُلغَ تماماً، والتفاوض لم ينتهِ بعد. نحن أمام رقصة سياسية على حافة الهاوية، والوضع سيبقى معلقاً بين حسم التوقيع أو العودة للزناد حتى تخرج المسودة الباكستانية إلى النور بشكل رسمي وموقع من القطبين.





