سحر الجعارة

هل المال أهم من العمر؟ فلو شاركت الزوجة زوجها بالمال في عمل ما تكون مساهمتها أكبر من الجهد العاطفي والمادي الذي تبذله زوجة «ربة منزل»؟.. هل الزوجة التي تفني عمرها وتربي أولاداً صالحين وتعيش على «الحلوة والمرة» وتعمل جمعيات لتوفير مصاريف المدرسة وتتولى التنظيف بدلاً من أجر الشغالة تشارك في الحياة الزوجية بأقل من مشاركة راتب «الزوجة العاملة»؟ منتهى الظلم أن تحرم ربات البيوت من «حق الكد والسعايا» الذي طالب بتطبيقه الأزهر الشريف وجارٍ تقنينه في قانون الأحوال الشخصية الجديد.

 

في كل دول العالم المتقدم إذا طُلقت الزوجة تتقاسم مع الزوج ثروته، وكذلك نحن نتحدث هنا عن حالة شديدة الخصوصية، وهي امرأة لا تعمل، وقد تكون فضّلت رعاية البيت والوظيفة ومساندة الزوج «معنوياً» وتحملت أعباء الأسرة.. امرأة لم تسهم في رأسمال عمل زوجها ولم تحصل أيضاً على نصيبها العادل من المكانة الاجتماعية كامرأة عاملة، ووهبت عمرها وكرّست حياتها لهذا الزوج ولأسرتها.. فهل تستحق أن تكون مكافأة «نهاية الخدمة»، بالطلاق أو وفاة الزوج، هي الرمي في الشارع؟.

 

في الدول الغربية (مثل أمريكا وأوروبا): يُنظر للزواج على أنه شراكة اقتصادية، وتنص القوانين (مثل قوانين المشاركة في الأرباح أو الملكية المجتمعية) على تقاسم الأصول والثروات التي تم تكوينها أثناء فترة الزواج بالتساوي أو بنسب عادلة، بغض النظر عن اسم مَن تُسجل هذه الثروة، وباعتبار أن رعاية الأسرة ودور الزوجة المنزلي يسهم في بناء هذه الثروة.

 

ويتم تقسيم جميع الأموال، العقارات، والديون المكتسبة خلال فترة الزواج بنسبة 50% لكل طرف بالتساوي تماماً في بعض الولايات الأمريكية. ولا يهم من قام بجني المال أو من سُجل العقار باسمه طالما تم شراؤه بعد الزواج. أما في الدول العربية والإسلامية: الأصل استقلال الذمة المالية للزوجين، ولا يتقاسم الزوجان الثروة تلقائياً، ولكن يُراعى «حق الكد والسعاية» في بعض الدول والقوانين لتعويض الزوجة عن مجهودها ومساهمتها في تنمية أموال الأسرة (مثل المادة 49 في قانون الأسرة المغربي).. وهذا هو المطروح في قانون الأحوال الشخصية الجديد.. ولكن تستثنى ربة المنزل من هذا الحق (!!).

 

الدكتور «سعد الدين الهلالي» أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، طالب في دراسة مهمة بالاعتراف بتلك الوظيفة مستقلة عن صفة الزوجية، قياساً على ما شهدته وظائف كثيرة تماهت مع التطور البشري.. وهو الرأي الذي لم يذكره أي عالم دين في مصر أو خارجها!.

 

وفي الدراسة المهمة التي حملت اسم «حق السعاية في الوظيفة المنسية»، يقول الهلالي: آن الأوان في عصر الجمهورية الجديدة التي تعتمد تقنية الرقمنة، ومع صحوة إنصاف المرأة التي بدأت جزئياً وتدرجت حتى نهض العالم إليها اليوم بمعناها الشامل، أن يتم الاعتراف بوظيفة «ربة المنزل» أو «سيدة البيت» مستقلة عن صفة الزوجية، وأن تُذكر في حضارة التقنين، بحيث يتم إدراجها ضمن الوظائف التأمينية في ظل سياسة التمكين الاقتصادي للمرأة، أو إدماج المرأة في التنمية، مشيراً إلى أن هذا ما يهدف إليه في هذه الدراسة المختصرة، التي يتحدث فيها عن (شبهات الرافضين لتقنين حق السعاية في وظيفة «ربة المنزل»، وأسباب تقنين هذا الحق كما يبين تكييفه الفقهي، وطرق تقدير مستحقاته، وأثر تقنينه عملياً).

 

ولعل أبرز الانتقادات الموجهة إلى الإسلام أنه دين لا ينصف المرأة، ويكرس الرق والعبودية.. إلى آخر الاتهامات التي تتعارض مع «حقوق الإنسان»، وحين تعطي الحق للزوج بمنع زوجته من العمل وتحرم ربة البيت من حقها في قانون يفترض أنه جاء لينصف النساء فأنت بهذا تقوم بالتمييز وتحول الزوجة إلى «جارية».. وحتى إن قامت بكل أدوار الجواري من خدمة وتربية الأطفال.. إلخ. فأنت تحرمها من حقها الشرعي (الكد والسعاية) عندما تعتقها.

بمادة قانونية تجبرها على العمل في البيت دون أجر (كانت تحصل عليه كامرأة عاملة)، وبالمادة الثانية تجردها من حقها الشرعي «بالقانون»!.

 

بحسب دراسة الدكتور «سعد الدين الهلالي» فهناك ثماني شبهات استند إليها الاتجاه الرافض لحق السعاية.. ولضيق المساحة سوف أتوقف عند رأي مهم للدكتور «الهلالي» في متن الدراسة: أن حق السعاية يثبت لكل من الزوجين على الآخر، وليس خاصاً بالزوجة.

 

وأما القول باستحقاق السعاية «عند الطلاق أو الوفاة وليس أولاً بأول فلأن شركة المفاوضة الحكمية بين الزوجين مرهونة ببقاء الزوجية، مما يوجب تصفيتها بالطلاق أو الوفاة»، أما مع بقاء الزوجية فكل من الزوجين المفاوضين يتصرف في مال الآخر بالأصول المرعية عرفاً وخلقاً.

 

أتمنى أن يكون لدينا الوقت في تعديل هذه المواد المعيبة قانوناً وإنساناً.

نقلا عن الوطن