د. مينا ملاك عازر
بعد هدوء دوي المدافع وتوقف الصراع الإقليمي (بين إيران وأمريكا)، تشرق شمس مرحلة جديدة تتطلب من الاقتصاد المصري ألا يكتفي بـ "التعافي"، بل أن يشن "هجوماً اقتصادياً" مضاداً. إن استغلال لحظة الاستقرار التالية للأزمة يتطلب جرأة سياسية وأفكاراً تقفز فوق الحلول التقليدية لسد الفجوات التمويلية، وتحويل التهديدات التي عشناها إلى مكاسب مستدامة تنعكس على حياة المواطن والأسواق.

خطة الهجوم المضاد: آليات وحلول واقعية مدعومة بالأرقام
الانتقال من مرحلة الدفاع إلى الهجوم يتطلب التحرك عبر مسارات ومستهدفات رقمية واضحة وجريئة:
1- الاستحواذ على 15% من حركة إعادة التصدير في البحر الأحمر:

الممر الملاحي السريع الجديد الذي يربطنا بالسعودية والأردن يجب ألا يكون مجرد خط شحن، بل منصة لهجوم تصديري. الحل الواقعي هنا هو الإعلان فوراً عن تصفير كامل للرسوم الجمركية والبيروقراطية في ميناء العين السخنة للبضائع العابرة (ترانزيت)، مع تحويل المنطقة الخلفية للميناء إلى مستودعات لوجستية ذكية لتخزين وإعادة تصنيع المواد الخام الخليجية، مما يتيح لنا تصدير منتجات "صنعت في مصر" لأسواق أوروبا وإفريقيا وزيادة عوائد الموانئ بنسبة لا تقل عن 25% سنوياً.

2- توطين صناعات البتروكيماويات والمغذيات الزراعية بالشراكة مع العمالقة:
مصر تستورد مليارات الدولارات سنوياً من مدخلات الإنتاج الكيماوية. الحل هنا هو اقتناص التهدئة لعقد شراكة استراتيجية فورية مع عمالقة الصناعة مثل سابك لإقامة مجمع بتروكيماويات عملاق في منطقة قناة السويس، يركز على إنتاج اللدائن والمخصبات الزراعية محلياً. هذا الإجراء سيوفر على الموازنة العامة ما يقرب من 3 إلى 4 مليار دولار سنوياً كانت تذهب للاستيراد، ويمنح المصانع المحلية مواد خام رخيصة ترفع من تنافسيتها.

3- إطلاق ممر أخضر للصادرات الزراعية والغذائية الطازجة:
الأسواق الخليجية تستهلك كميات ضخمة من الأغذية، والسرعة الزمنية للخط البحري الجديد هي ميزتنا الكبرى. الحل يكمن في تدشين ممر أخضر يفحص ويشحن الحاصلات الزراعية والمنتجات الغذائية المصرية وصناعات الغزل والنسيج خلال 24 ساعة فقط من المزرعة أو المصنع إلى المركب، مستهدفين رفع قيمة الصادرات الغذائية إلى 6 مليار دولار بنهاية العام، مستغلين تفوقنا الجغرافي وانخفاض تكلفة النقل مقارنة بالمنافسين الدوليين.

النتائج الاقتصادية المباشرة في حال التنفيذ
 * إنعاش الاحتياطي النقدي وتأمين الدولار: تدفق الاستثمارات المباشرة في قطاع اللوجستيات والبتروكيماويات، بالتوازي مع قفزة الصادرات، سيوفر سيولة دولاريتة مستدامة من الإنتاج وليس من القروض، مما يضمن استقرار الصرف وتراجع معدلات التضخم.

 * تحويل مصر إلى الرئةالصناعية للمنطقة: لن نكون مجرد معبر تجاري، بل سنصبح الشريك اللوجستي والصناعي الأول لشرق المتوسط والخليج، مما يعني توفير أكثر من 150 ألف فرصة عمل جديدة مباشرة وغير مباشرة في مجالات الشحن والتفريغ والتصنيع والخدمات.

ماذا لو تقاعسنا واكتفينا بمقاعد المتفرجين؟
إذا تراجعنا وصممنا على البقاء في منطقة الدفاع والحلول التقليدية، فإن السيناريو القادم سيكون قاتماً:

 * ضياع الفرصة لأسواق بديلة: رأس المال جبان ويموت في غياب الجرأة؛ وإذا لم نقدم الحوافز الاستثنائية الآن، ستتجه الخطوط الملاحية والاستثمارات الخليجية والعالمية إلى موانئ وممرات بديلة في المنطقة تقدم مرونة أعلى، وسنخسر ميزتنا الجغرافية للأبد.

 * استمرار النزيف والانكشاف أمام الصدمات: سنظل أسرى لارتفاع أسعار السلع المستوردة والديون، وأي توتر جيوسياسي جديد في المستقبل، سواء في هرمز أو غيره، سيعيد الاقتصاد الوطني إلى نقطة الصفر فوراً لأننا لم نستغل فترة الهدوء لبناء شبكة أمان إنتاجية وتصديرية تحمينا من التقلبات العالمية.
هدوء المدافع هو أثمن هدية يقدمها التوقيت الحالي للاقتصاد المصري، والجرأة والسرعة في فرض الأمر الواقع عبر هذا الهجوم الاقتصادي هما طوق النجاة الوحيد لنعبر من مرحلة امتصاص الأزمات إلى مرحلة قيادة النمو وصناعة الريادة.