العذراءُ مريم أُمُّنا في "نظام النّعمة" والشّفيعةُ والمحاميةُ والنّصيرةُ والظّهيرةُ والوسيطةُ للبشر (2)
(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
نحن نؤمن ونعترف أنّ يسوع المسيح هو المخلِّص والوسيط بين الله والنّاس (رسل 4/ 12؛ 1 تي 2/ 5)، أي أنّه "لَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ"؛ فالفداءُ والخلاصُ منوطان ومرتبطان بالمسيح. ولكنّ هذا الأخير لا يلغي مشاركةَ الخليقة والبشر والكنيسة والعذراء مريم والمؤمنين في عمله الخلاصيّ، فالخلائق جميعها متعاوِنة ومشارِكة ومساهِمة في سرّ الفداء والخلاص، كلٌّ على طريقته. وهذا لا ينكر بدوره أنّ المسيح هو الفادي والمخلِّص للعذراء مريم أيضًا (ت. م، بند 491)، لأنّها في نهاية المطاف هي بشرٌ مثلنا ومخلوقة، وليست "إلهة"، وإن كانت "والدة الله" أيضًا.
وفقًا للأناجيل، قد لعبت العذراءُ مريم، لكونها أُمّ يسوع، دورًا هامًّا وفريدًا في عمل ابنها الخلاصيّ، منذ الحبل به حتّى صعوده، ولا زالت أيضًا، ليس لأنّها "مخلِّصة" معه وبجواره، وإنّما لأنّها قد تعاونت وشاركت وساهمت معه في تحقيق عمله الخلاصيّ بإيمانها ورجائها ومحبّتها وطاعتها واتّباعها له حتّى أقدام الصّليب وما يليه. إنّ ما قامت به العذراءُ مريم، ولا زالت تقوم به، ينبغي أن يقوم به كلُّ مسيحيّ صادق وحقيقيّ أيضًا، أي أن يتعاون ويشترك مع المسيح في خلاص البشريّة والكون بالطريقة التي يريدها الرّبّ منه. فعلى سبيل المثال، قال الرّسولُ بُولس: «يسرني الآن ما أعاني لأجلكم فأتم في جسدي ما نقص من شدائد المسيح في سبيل جسده الذي هو الكنيسة، لأني صرت خادما لها بحسب التدبير الإلهي الذي وكل إلي من أجلكم، وهو أن أتم التبشير بكلمة الله» (كو 1/ 14 و24-25).
إنّ «دورَ مريم الأمومي نحو البشر لا يَحجُب ولا يُنقِص بشيءٍ وساطة المسيحِ الوحيدة هذه بل يُظهر قوَّتَها» (م. ف، "نور الأمم"، بند 60). وعلى هذا النّحو، فإنّ العذراء مريم «شريكة سخية في عمله بصفةٍ فريدةٍ أبدًا [...] ساهمت في عَمَل المخلّص مساهمةً لا مثيل لها بخضوعها وإيمانها، برجائها ومحبَّتها الحارة كي تعود الحياة الفائقة الطبيعة إلى النفوس. لهذا كانت لنا أُمَّاً في نطاقِ نظامِ النعمة [...] تستمرُّ أمومة مريم في تدبير النعمة دون ما انقطاع حتى يبلغ المختارون الكمال الأبدي. وفعلًا إن دورها في الخلاص لم يتوقف بعد صعودها إلى السماء، إنها لا تزال تحصل لنا بشفاعتها على النِعَمِ التي تُؤكِّدُ خلاصَنا الأبدي [...] لهذا تُدعى الطوباوية العذراء في الكنيسة بألقابٍ عدّة منها الحامية، والمُعينة، والمساعدة، والوسيطة» (م. ف، "نور الأمم"، بند 61 و62).





