بقلم الأب يسطس الأورشليمى
  كان اليهُود يهاجمُون الكرازة، بدعُوى أن الرسُول بُولس يهين النامُوس، ويستخف بالختان ويقاوم أمة اليهُود، فإن الأمم من جانبهُم أيضاً يقاومُون هذا العمل بإساءة فهمه حاسبين، أنه يُنادي بفعل السيئات لكي تأتي الخيرات، وكأن الشرّ هُو علة الخير، وعدم أمانتنا هُو مجد لأمانة الله، وهذا افتراء كاذب، لذا إذ يُعلن عن سقُوط العالم كُله في الشرّ، ليتحدث مُعلمنا بُولس عن حاجة الجميع إلى المُخلّص (رو12:3)، ويوضح أنه لا يُنادي بما أتُهم به، مظهراً أن هذا القُول يستلزم أحد أمرين: 

   أولاً: أما أن يكُون الله غير عادل، لأنه يجازي الإنسان على شرّه، وعدم أمانته، وهُو علة نصرة الله ومجده.. 

  ثانياً: إن لم يعاقبنا تقُوم نصرته على رذائلنا، وكلا الأمران ممقُوتان..

  + يُود الرسُول تأكيد أن الله الذي يتمجد حتى في شرّنا، بإعلان بره وحبه للخطاة لا يعفي الإنسان من مسئُوليته عن ارتكابه للإثم، فقد أعتاد الإنسان منذ بدء سقُوطه في الخطية أن يلقي باللُوم على غيره، كما فعل آدم الذي ألقى باللُوم على المرأة التي جعلها الله معه، وكما فعلت حواء التي ألقت باللُوم على الحيّة، راجع الكتاب المُقدس (تك12:3).. 

   لهذا جاءت هذه الرسالة تُؤكد أن: برّ الله وأمانته في مُواعيده، وفيض نعمته على الخطاة ليست فرصة للشرّ، إذ يقُول: 
  أنبقى في الخطية لكي تكثر النعمة؟ حاشا! نحنُ الذين متنا عن الخطية كيف نعيش بعد فيها؟ فالله يُوقع العقُوبة ليس عن انفعال، إنما لتحقيق العدالة، فالأثيم يختار لنفسه أن يسقط تحت العقُوبة بحريته،  فهُو الملُوم لا الله الذي يُود أن الجميع يخلصُون، وإلى معرفة الحقّ يُقبلُون..       
  
   بعد أن ردّ على اليهُود الذين اتهمُوه، أنه يستخف بعطايا الله لهُم كيهُود أهل الختان وأصحاب النامُوس، كمل ردّ على الأمميين الذين حسبُوه يُنادى بفعل الشرّ لكي يجلب الخير، بدأ يُؤكد من جديد فساد البشرية كُلها ليُعلن حاجة الكُل إلى طريق واحد للخلاص، وهُو التمتع ببرّ المسيح خلال الإيمان بفدائه، إذ يقُول: الجميع زاغُوا وفسدُوا معاً، ليس مَن يعمل صلاحاً ليس ولا واحد، ثم يلجأ إلى رجال العهد القديم ليقتطف كلماتهُم التي تُؤكد ذلك: فيلجأ إلى داود القائل: هل مَن فاهم طالب الله؟ 

   إذ أخطأ الكُل في حقّ الله انطمست عيُون أذهانهُم فلم تعد تستطيع أن تراه ولا أن تُدرك أسراره الإلهية كآدم الذي أخطأ، فصار غير قادر على أدراك محّبة الله، وأصبح هارباً من وجهه لا يقدر أن يطلبه، لكن هل ينطبق هذا على اليهُود الذين صارت لهُم معرفة الله بالنامُوس، ويطلبُونه خلال طقُوسهُم وعبادتهُم غير المُنقطعة؟! (مز2:14)..

  يُجيب المُرتل قائلاً: ليس مَن يفهم، ليس مَن يطلب الله، غير مميز اليهُودي عن الأممي، لأن اليهُودي في حرفيته لم يستطع إدراك أعماق النامُوس وغايته الإلهية، كما تحُولت الطقُوس إلى شكليات لا تمس القلب ليُدرك الله ويُعاينه، راجع الكتاب المُقدس (مز3:14)..

    + مرة أخرى يؤكد أن: الجميع بلا تمييز بين يهُودي أو أممي، إذ لم يفهمُوا ولا طلبُوا سقطُوا في الفساد، ولم يعد للصلاح مُوضعاً فيهُم، وكما يقُول إشعياء النبيّ: كُلنا كغنم ضللّنا ملنا كُل واحد إلى طريقه، والرّب وضع عليه إثم جميعنا، راجع الكتاب (إش6:53)..

    بعد أن تحدث عن فساد الكُل بوجه عام، بدأ يُعلن فساد الإنسان في كليته فتحُولت الحنجرة إلى قبر مفتُوح، تُخرج رائحة مُوت ونتانة (مز5)، وأنشغل اللسان بالمكر، والشفاه تحُولت إلى مخزن خفي لسّم الاصلال وفمهُم ينبُوع لعنة ومرارة، وأرجلهُم تسرع إلى سفك الدم، لا تعرف طريق السلام، بل طريق السحق والمشقة، أما أعماقهُم ففقدت البصيرة الداخلية، فلم يعد خُوف الله أمام عيُونهُم (مز36؛ أم16:1؛ إش7:59)، وكأن الفساد قد دبّ في حياة الإنسان الداخلية، كما في أعضائه الظاهرة..