بقلم: الكاتب الصحفي / جمال رشدي
في تاريخ الأمم والمؤسسات، ثمة رجالٌ لا يعبرون في نهر الحياة عابرين، بل يحفرون لمساراته مجارٍ جديدة، ويصنعون من العدمِ وجوداً، ومن الظلماتِ نوراً يبدد غياهب الجهل والمرض والفقر. وفي سجل الكنيسة القبطية المصرية العريقة، يبرز اسم نيافة الأنبا بفنوتيوس، مطران سمالوط وتوابعها، كعلامة فارقة، وقائدٍ استثنائي صاغ على مدار نصف قرن ملحمة تنموية وروحيّة تستحق أن تُدرّس في كبرى معاهد الإدارة والخدمة.
تُعيدنا الذاكرة إلى ذلك المشهد المهيب في مايو من عام 1975، حينما حلّ قديس زمانه، مثلث الرحمات قداسة البابا شنودة الثالث، ضيفاً على أرض سمالوط، في وقتٍ كان فيه الشعب منشغلاً بملء قلوبه باحتفالات السيدة العذراء. هناك، التقى قداسته ببعض الحضور، ونقلوا لي كلماتٍ تاريخية، لم تكن مجرد عبارات لبطريرك يمنح بركته، بل كانت استشرافاً لـ"رجل دولة" مفكر، باحث، شاعر، وسياسي يمتلك رؤية ثاقبة للمستقبل. قال لهم البابا وقتها بوعي القائد الملهَم: "لقد اخترت لكم هدية عظيمة كأَسقف لإيبارشيتكم فحافظوا عليه"، وكان يقصد بذلك الراهب المتوشح بالزهد والعلم، الراهب أنطونيوس السرياني.
إن هذه الرؤية العميقة التي وضع حجر أساسها البابا شنودة الثالث (البابا السابق)، تلاقت وتكاملت مع شهادة قداسة البابا تواضروس الثاني (البابا الحالي)، الذي خصّني شخصياً –بصفتي كاتب هذا المقال– بحديثٍ عبّر فيه عن عمق تقديره واعتزازه بنيافته، حيث قال لي واصفاً إياه: "إنه مطران عظيم مبارك". لتمثل هذه الكلمات امتداداً لثقة أبوية وكنسية دامت على مدار عقود من كبار أحبار الكنيسة، وتأكيداً على أن نيافته حبا الصلاح والبركة في كل عمل تمتد إليه يداه.
لم تكن الكلمات نبوءة عابرة، بل كانت قراءة دقيقة لشخصية حباها الله بكل المقومات العظيمة لتكون هدية، ليس فقط لإيبارشية سمالوط التي كانت تئن تحت وطأة الاحتياج، بل للكنيسة المصرية بأسرها.
وفي الثالث عشر من يونيو عام 1976، جاء الراهب الممسوح برتبة الأسقفية، الأنبا بفنوتيوس، ليتسلم رعاية سمالوط. والواقع حينها كان يقترب من حدود "العدم"؛ كنائسُ متناثرة لا تتعدى ثمانية وعشرين كنيسة، وظلامٌ دامس من الفقر والجهل والمرض يكسو أرجاء الإيبارشية. كانت هناك هوة سحيقة تفصل بين واقع الإقليم المتردي، وبين هذا الأسقف الشاب ابن الثمانية والعشرين ربيعاً، سليل الأسرة العريقة الغنية بالمال والجاه والمعرفة الروحية والثقافية، والقريب من عقل وقلب أسقف التعليم السابق والبابا الحالي آنذاك.
اصطدم الأسقف الشاب بواقع مرير، خالي الوفاض من أي هيكل إداري، أو كوادر بشرية، أو أسس مادية يمكن البناء عليها. كانت مواجهة شرسة ضد "طواحين الظلام"، وبمقاييس الحسابات البشرية والعلمية، كانت معركة خاسرة سلفاً، وكان أقصى ما يمكن أن يطمح إليه المرء هو الاستسلام للواقع والتعايش معه كما فعل كثيرون.
لكن "المطران الذهبي" لم يكن من طينة القابلين بالهزيمة. تسلّح برؤية الإدارة الحكيمة وبإيمان لا يتزعزع، وقرر الدخول في صدام عنيف مع هذا الواقع المظلم، واضعاً نصب عينيه خياراً وحيداً: الانتصار.
بدأت الرحلة بقرارات حاسمة اتسمت بالعبقرية الإدارية؛ حيث كان أولها تنظيم هيكل إداري ومالي صارم، وتأسيس منظومة من الكوادر البشرية المؤهلة لتكون ركيزة لصناعة القرار. تلا ذلك سيامة آباء كهنة جدد، والقيام بزيارات مكوكية لم تترك قرية أو نجعاً في سمالوط إلا ووصلتها يد الرعاية.
ثم جاء القرار الأكثر جرأة وصعوبة على مستوى الصعيد بأكمله؛ قرار بناء "مستشفى الراعي الصالح" في سمالوط. لم يكن القرار مجرد بناء مركز طبي بسيط، بل كان طموحاً لتأسيس صرح طبي بمواصفات عالمية، والذي تم تدشينه وافتتاحه ليتلألأ في سماء الصعيد، مستقطباً كبار الخبراء والاستشاريين من داخل مصر وخارجها، ليصبح اليوم منارة طبية يشار إليها بالبنان في ربوع المحروسة.
ولأن مواجهة الجهل لا تقل أهمية عن محاربة المرض، كان القرار الاستراتيجي التالي هو بناء صرح علمي شامخ: "مدارس العهد الجديد" (وكذلك مدارس اللغات)، والتي افتتحت أبوابها لتحدث ثورة تعليمية، وتتوج كواحدة من أفضل المدارس الحاصلة على جودة التعليم في مصر. بهذه الضربة القاصمة، نجح الراهب الأسقف، الصغير في سنه والعظيم في فكره وإرادته، في تفتيت ثالوث الظلام (المرض، الجهل، والفقر).
ولم تتوقف الرؤية التنموية عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل مشروعات اقتصادية واجتماعية رائدة، كان أبرزها "فندق العائلة المقدسة" الذي جاء تتويجاً لعظمة تفكير هذا الشيخ الوقور، ليدعم السياحة الدينية ويوفر فرص العمل. وبجانبه، انطلقت "أسواق لقمة هنية للمواد الغذائية" لتقدم خدماتها بأسعار عادلة للجميع، فضلاً عن عشرات الكنائس الحديثة، والمكتبات، والمشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر التي تدار داخل الكنائس لخدمة سائر أبناء المجتمع دون تمييز.
إن ما سطرته يدا نيافة الأنبا بفنوتيوس من عام 1976 إلى عام 2026 هو ملخص لـ"اليوبيل الذهبي للمطران الذهبي" للكنيسة المصرية. إنها مسيرة نصف قرن تحولت فيها سمالوط من طيات النسيان إلى الصدارة.
أمام هذا النموذج الفذ، تقتضي الحكمة والأمانة التاريخية ألا تمر هذه المناسبة كاحتفال عابر، بل إن الضرورة تشترط صياغة "كتاب كامل" يوثق حياة وخدمة وفكر هذا الراهب المطران الدكتور، ليكون مرجعاً علمياً، ومساراً خدمياً، ودليلاً روحياً وعملياً لكيفية إدارة وتنمية الإيبارشيات داخل مصر وخارجها.
تحية إجلال وتقدير لنيافة الأنبا بفنوتيوس في يوبيله الذهبي، ودامت كنيستنا ومصرنا ولّادة بالقمم والمنارات.






