يوسف إدوارد
بلا شك الوصول إلى التأثير بين الناس ليس أمرًا سهلًا لأن المفروض أن المجتمع يمنح مكانته لمَن يملك معرفة حقيقية أو تجربة أو إنجازًا واضحا، مثال البطل الرياضى والكاتب المفكر والأستاذ الجامعى والفنان الكبير.. هؤلاء كانوا يمثلون صورة الشخص الذى يُستمع إليه ويُؤخذ رأيه بجدية، ولم يكن ذلك يعنى أن المجتمعات كانت مثالية، لكنها على الأقل كانت تملك معايير أكثر وضوحًا فى اختيار رموزها.

اليوم، تبدو الصورة مختلفة تمامًا، فالشخصيات المثيرة للجدل تتصدر المشهد يوميًا، ومؤثرون يصنعون حضورًا هائلًا خلال ساعات قليلة، بينما تتراجع أصوات أكثر عمقًا وخبرة إلى الخلف، وأحيانًا يصبح فيديو قصير مليء بالاستفزاز أكثر انتشارًا من عمل فنى استغرق سنوات من العمل والبحث.

المسألة هنا ليست مجرد انتقاد للسوشيال ميديا ولا حنين رومانسى للماضى بقدر ما هى تغير حقيقى فى طريقة صناعة التأثير داخل المجتمع.

وببساطة فكرة المنبوذ أصلًا ليست جديدة، فالأدب تحدث عنها كثيرًا، وربما كانت رواية البؤساء لفيكتور هوجو من أوضح الأمثلة، والشخصيات هناك لم تكن شريرة بالضرورة، لكنها شخصيات لفظها المجتمع ووضعها خارج صورته المثالية، مثل السجين السابق والفقراء والمهمشين والمطاردين، والمفارقة التى قدمها هوجو ببراعة أن هؤلاء قد يكونون أكثر رحمة وإنسانية من مجتمع يتحدث كثيرًا عن الفضيلة، ولم يعلم هوجو أنهم فى عصرنا الحالى أصبحوا نجوم مجتمع ومشاهير وأبطالا شعبيين.

لكن الفارق أن المنبوذ عند هوجو كان يعيش غالبًا على الهامش بعيدًا عن الضوء والقبول الاجتماعى بطبيعة الواقع، أما اليوم فالصورة تبدلت بشكل واضح، وأصبح المنبوذ الحديث قد يتحول إلى نجم كامل وشخص يثير الجدل أو يكسر القواعد أو يصدم الناس ثم يجد نفسه فجأة فى قلب المشهد وتحيطه الكاميرات والمتابعون والشهرة، ولم يعد المنبوذ مجرد شخص يرفضه المجتمع، بل أصبح أحيانًا أكثر الشخصيات حضورًا وتأثيرًا داخله.

الإنسان بطبيعته قد ينجذب إلى ما يثيره فى الأخبار الصادمة بسرعة، ويجذب الجدل اهتمامًا أكبر من الكلام الهادئ والمتزن، وطبعا المنصات الرقمية فهمت هذه الطبيعة جيدًا، وبنت عليها عالمًا كاملًا، كما أن الفكرة لم تعد مرتبطة بجودة المحتوى بقدر ارتباطها بقدرته على جذب الانتباه، وكلما كان المحتوى أكثر إثارة أو استفزازًا زادت فرص انتشاره.

لهذا أصبح بعض الأشخاص يحققون شهرة عظيمة فقط لأنهم يعرفون كيف يصنعون اللحظة والموقف، وقد لا يقدمون فكرة جديدة أو قيمة حقيقية، لكنهم يفهمون جيدًا كيف يلفتون الأنظار وكيف يجعلون الناس تتحدث عنهم طوال الوقت.

والمفارقة أن كثيرًا من الهجوم الذى يتعرضون له يتحول إلى دعاية مجانية فاعلة، رغم أن الناس تهاجم وتعلّق وتعيد النشر، وفى النهاية تمنحهم المزيد من الحضور.

لكن تحميل المسؤولية كاملة لهؤلاء سيكون استسهالا، فالحقيقة أن جزءًا من الأزمة يتعلق بالصفوة نفسها لأن كثيرا من النخب الثقافية والأكاديمية والفنية ما زالت تتعامل مع الجمهور بالعقلية القديمة، وكأن المعرفة وحدها تكفى لصناعة التأثير رغم تغير العالم بالكامل، وأن الناس لم تعد تنتظر المنابر التقليدية حتى تسمع رأيًا أو تتابع فكرة، والهاتف وحده أصبح قادرًا على صناعة نجم جديد فى أيام قليلة.

المشكلة أيضًا أن بعض أصحاب المعرفة فقدوا القدرة على الاقتراب من الناس لأن الخطاب أصبح معقدًا أحيانًا، والنقاشات تدور داخل دوائر مغلقة لا يسمعها إلا مَن يشبهون بعضهم، ومع الوقت بدأ الجمهور يشعر بأن هناك فجوة بينه وبين هذه النخب فى اللغة والاهتمامات وطريقة رؤية الواقع.

فى المقابل، نجح المؤثرون الجدد فى فهم الجمهور بشكل أسرع، حيث إنهم يعرفون ما الذى يثير الناس وما اللغة الأقرب إليهم، وكيف يصنعون تفاعلًا مستمرًا، وبعضهم استخدم هذه القدرة بشكل جيد وقدم محتوى حقيقيًا، لكن كثيرين اكتشفوا أن الطريق الأسرع للانتشار يمر عبر الإسفاف والجدل والاستعراض والصدمات المتتالية.

وهنا حدث التحول الأخطر، ولم تعد القيمة مرتبطة دائمًا بالعمق أو المعرفة، بل بالحضور المستمر، ومَن يظهر أكثر يصبح أكثر تأثيرًا والذى يُجيد إثارة الانفعال يضمن بقاءه فى دائرة الضوء.

لهذا قد نجد أستاذًا جامعيًا يمتلك معرفة حقيقية، لكنه غير قادر على الوصول إلى الناس، بينما ينجح صانع محتوى بسيط فى التأثير على ملايين المتابعين لأنه يتحدث بلغتهم ويقترب من تفاصيل حياتهم اليومية.

المشهد لا يعنى بالضرورة أن الناس أصبحت تكره الثقافة أو المعرفة كما يقال كثيرًا، بل على العكس، الناس ما زالت تبحث عمّن يفهمها ويعبر عنها ويشرح لها العالم بطريقة واضحة وقريبة، ولكن المشكلة أن جزءًا من الصفوة فقد مهارة التواصل أصلا، واعتمد طويلًا على مكانته التقليدية، بينما كان العالم يتحرك بسرعة فى اتجاه مختلف.

وفى الوقت نفسه لا يمكن النظر إلى كل الشخصيات المثيرة للجدل باعتبارها مجرد ظواهر فارغة، وبعض هذه الشخصيات نجحت لأنها كسرت صورة النخبة البعيدة والمتعالية، وقدمت نفسها بصورة أكثر قربًا وعفوية، حتى لو كانت أدواتها بسيطة أو مزعجة.

وربما هنا تكمن المفارقة الحقيقية أن الناس لا تبحث دائمًا عن الشخص الأكثر معرفة، بل عن الشخص الأكثر قدرة على التفاعل مع إطارها المعرفى ولمس مشاعرها وإقناعها بأنه يشبهها ويفهمها لأن التأثير لم يعد يقوم فقط على ما تعرفه، بل على قدرتك على الوصول.

لهذا يبدو المشهد الحالى وكأنه إعادة توزيع كاملة لفكرة السلطة الرمزية داخل المجتمع، والمكانة لم تعد تُمنح فقط عبر المؤسسات أو الشهادات أو التاريخ المهنى، بل عبر الحضور والقدرة على جذب الانتباه وصناعة التأثير اللحظى. لكن رغم كل ذلك يبقى السؤال الأهم: هل المشكلة فى صعود الشخصيات المنبوذة أم فى تراجع قدرة الصفوة على التأثير؟.

ربما الحقيقة أن الفراغ لا يبقى فارغًا أبدًا، بل عندما تتراجع الأصوات القادرة على الجمع بين المعرفة والاقتراب من الناس، يظهر آخرون لملء المساحة، حتى لو كانت أدواتهم قائمة على الجرأة والخروج عن المألوف أكثر من القيمة.

لهذا لا يبدو الحل فى إعلان الحرب على المؤثرين أو مهاجمة الجمهور، بل فى أن تعيد الصفوة اكتشاف الناس من جديد، وتتعلم كيف تتحدث بلغة أبسط وكيف تنزل من أبراجها المغلقة وكيف تقدم المعرفة بصورة حية وقريبة وقادرة على المنافسة.

وارد أن المجتمعات البسيطة ترفض العمق، لكنها أكيد تبتعد عمن يعجز عن تقديمه بطريقة مفهومة ومؤثرة، ولم يعد يكفى أن تمتلك الحقيقة، بل أصبح عليك أيضًا أن تعرف كيف تقولها.
نقلا عن المصرى اليوم