د.ماجد عزت إسرائيل
يُعد عيد صعود السيد المسيح من الأعياد السيدية الكبرى في إيمان الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، لأنه لا يمثل مجرد خاتمة للظهورات التي تلت القيامة، بل يكشف عن بُعد لاهوتي عميق يتصل بتمام التدبير الخلاصي، وبدخول الطبيعة البشرية، في المسيح، إلى حضرة الآب. فالصعود ليس انتقالًا مكانيًا فحسب من الأرض إلى السماء، بل هو إعلان مجد الابن بعد إتمام الفداء، وإعلان رفعة الطبيعة البشرية التي اتحد بها الكلمة وصعد بها إلى السماوات. لذلك يقول الرسول: " "وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ " (أف 2: 6) ، لا بمعنى أن هذا قد تحقق فينا زمنيًا بالفعل، بل بمعنى أن طبيعتنا البشرية قد تمجدت في شخص المسيح، وصار لنا فيه رجاء الدخول إلى هذا المجد.

ومن هنا، فإن تمجيد المسيح في صعوده كان لا بد أن يسبق تمجيد الكنيسة بحلول الروح القدس. فاختفاء السيد المسيح بالجسد عن أعين التلاميذ لم يكن غيابًا أو انفصالًا، بل كان تمهيدًا لانتقال أعمق في علاقة المسيح بكنيسته: من حضور خارجي منظور إلى حضور داخلي غير محدود. لذلك يمكن القول إن المسيح قبل الصعود كان كائنًا معنا، أما بعد الصعود وبفعل الروح القدس فقد صار كائنًا فينا. والحضور الأول، رغم عظمته، كان محدودًا بظروف الزمان والمكان، أما الحضور الثاني فهو حضور النعمة الساكنة في المؤمنين. وفي هذا المعنى يقول الرب عن الروح القدس: "ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ." (يو 16: 14)، كما يقول الرسول: "لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ،" (أف 3: 17). فالصعود هنا لا ينفصل عن العنصرة، بل يمهد لها، لأن المسيح بصعوده أرسل الروح القدس ليصير حضوره في الكنيسة حضورًا سريًا دائمًا وفاعلًا.

 وقبل أن يصعد، سلّم الرب لتلاميذه الوصية الكرازية الجامعة، إذ قال: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ." (مت 28: 18–19). وهذه الوصية، وإن وُجهت أولًا إلى التلاميذ، إلا أن مداها الحقيقي يتجاوز أشخاصهم إلى الكنيسة كلها عبر الأجيال، لأن التلاميذ لم يعيشوا "كل الأيام"، بينما الكنيسة هي التي تحمل هذه الرسالة باستمرار التاريخ. ومن هنا نفهم قول الرب: " وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ». (مت 28: 20)، على أنه وعد للكنيسة الدائمة، لا للأشخاص المنتهين زمنيًا. فالأشخاص يرحلون، أما الكنيسة فتبقى، والكرازة تستمر فيها بوصفها جسد المسيح الحي في العالم.

 كما يكشف سفر أعمال الرسل عن الصلة المباشرة بين الصعود والعنصرة، إذ جاء: "وَفِيمَا هُوَ مُجْتَمِعٌ مَعَهُمْ أَوْصَاهُمْ أَنْ لَا يَبْرَحُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ، بَلْ يَنْتَظِرُوا «مَوْعِدَ الآبِ الَّذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي،.... لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ...."وَلَمَّا قَالَ هَذَا ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ. " (أع 1: 4–9). فالصعود هنا ليس مجرد مشهد وداعي، بل هو الحدث الذي يفتح زمن الكنيسة، وزمن الشهادة، وزمن حلول الروح. لذلك لا يمكن فهم الصعود بمعزل عن قوة الشهادة التي ستعطى للكنيسة بعد ذلك.

ومن الجوانب اللافتة في التقليد الكنسي أن عيد الصعود يأتي يوم الخميس، أي في اليوم الأربعين بعد القيامة، بحسب الترتيب الكتابي، بينما تتمحور دورة تذكاره الكنسي وقراءاته وامتداداته الليتورجية حول يوم الأحد، لأن الأحد هو اليوم الذي ارتبط في الوعي الكنسي بإعلان القيامة، ثم بقي يوم الرب، ويوم اجتماع الكنيسة، ويوم استعلان الخلاص. ومن ثم، فإن ربط الصعود بالأحد في الدورة الكنسية لا يغير من ثبوته الزمني يوم الخميس، بل يربطه بالحدث الفصحي كله في امتداده الكنسي والليتورجي.
 
 أما البعد الثالث في لاهوت الصعود فهو إعلان المجيء الثاني. فصعود المسيح ليس فقط إتمامًا لعمله على الأرض، بل أيضًا ضمانًا لعودته في المجد. لذلك، بينما كان التلاميذ يشخصون إلى السماء، قيل لهم: "وَقَالاَ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الْجَلِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هَذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هَكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ»." (أع 1: 11).ومن هنا صار انتظار مجيء المسيح الثاني جزءًا أصيلًا من الإيمان المسيحي، كما تعلن الكنيسة في قانون الإيمان: "وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي. آمين." فالصعود، بحسب هذا الفهم، لا يوجه أنظار الكنيسة إلى الماضي فقط، بل يفتحها على المستقبل الإسخاتولوجي- يقصد بالمفهوم الإسخاتولوجي في اللاهوت المسيحي كل ما يتعلق بالأمور الأخيرة، مثل المجيء الثاني، والقيامة العامة، والدينونة، والحياة الأبدية، بوصفها اكتمالًا للتدبير الإلهي في نهاية الأزمنة-  أي على الرجاء في مجيء الرب وملكوت المجد.

وتؤكد نصوص العهد الجديد هذا المعنى من زوايا متعددة. ففي لوقا: "وأخرجهم خارجًا إلى بيت عنيا، ورفع يديه وباركهم، وفيما هو يباركهم انفرد عنهم وأُصعد إلى السماء". وفي مرقس: "ثُمَّ إِنَّ الرَّبَّ بَعْدَمَا كَلَّمَهُمُ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللهِ." (مر 16: 19).وفي يوحنا يقول الرب: "خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ، وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَيْضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الآبِ»." (يو 16: 28) ، ويقول أيضًا: "أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا،" (يو 14: 2).كما يوجز الرسول هذا السر بقوله: "وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى..... رُفِعَ فِي الْمَجْدِ." (1 تي 3: 16).وكل هذه النصوص تؤكد أن الصعود هو استعلان لمجد الابن، وإتمام لرسالته، وافتتاح لطريق السماء أمام المؤمنين.

وعليه، فإن عيد الصعود المجيد يحمل في جوهره ثلاثة معانٍ مترابطة:
أولًا: تمجيد المسيح بعد إتمام الفداء.
ثانيًا: رفعة الطبيعة البشرية فيه وفتح الطريق أمام الكنيسة للحياة السماوية.
ثالثًا: التهيئة لحلول الروح القدس وإعلان الرجاء في المجيء الثاني.

ومن ثم، فالصعود ليس خاتمة صامتة لحياة المسيح على الأرض، بل هو بداية جديدة لحياة الكنيسة في الروح، ولشهادتها في العالم، وانتظارها الدائم للرب الآتي في المجد.