القمص منقريوس المحرقي
تحتفل كنيستنا القبطية الأرثوذكسية بعيد صعود السيد المسيح بعد أربعين يومًا من القيامة المجيدة، وهو من الأعياد السيدية الكبرى التي تعلن مجد المسيح، وتكشف في الوقت نفسه عن كرامة الطبيعة البشرية التي رفعها فيه.فالصعود لا يُفهم باعتباره مجرد انتقال من الأرض إلى السماء، بل هو إتمام لعمل الفداء، وإعلان أن الإنسان، في المسيح، قد صار مدعوًا إلى الشركة مع الله والحياة في حضرته. لذلك يحمل هذا العيد معنى الرجاء، لأن المسيح بصعوده فتح أمام البشرية طريق السماء.ويؤكد معلمنا بولس الرسول هذا المعنى بقوله: " أَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ "(أفسس 2: 6)

أولًا: الصعود هو إعلان مجد المسيح

بعد أن أخفى السيد المسيح مجده أثناء الآلام، جاء الصعود ليعلن أن الذي تألم هو نفسه رب المجد.يقول الكتاب:“ثُمَّ إِنَّ الرَّبَّ بَعْدَمَا كَلَّمَهُمْ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللهِ” (مرقس ١٦: ١٩). والجلوس عن اليمين لا يعني مكانًا، لأن الله غير محدود، بل يعني المساواة في المجد والسلطان.

يقول البابا أثناسيوس الرسولي:“صعد الرب بالجسد الذي أخذه منا، لكي يرفع فيه جنس البشر إلى السماء.”فالمسيح لم يصعد وحده، بل حمل طبيعتنا البشرية فيه، وفتح الطريق أمام الإنسان للدخول إلى حضن الآب.
 
ثانيًا: الصعود يعلن كرامة الإنسان
قبل التجسد كان الإنسان مطرودًا بسبب الخطية، أما الآن فقد صارت الطبيعة البشرية ممجدة في المسيح. يقول المرتل:“مَنْ هُوَ هذَا مَلِكُ الْمَجْدِ؟ الرَّبُّ الْقَوِيُّ الْجَبَّارُ” (مزمور ٢٤).وترى الكنيسة في هذا المزمور استقبال السماء للرب الصاعد منتصرًا.ويقول القديس كيرلس الكبير:“لقد صعد المسيح حاملًا باكورة البشرية، لكي يجعل لنا دالة للدخول إلى السماء.”وهنا يظهر عمق الإيمان القبطي:الصعود ليس عيد وداع، بل عيد رجاء.لأن المسيح أخذ ما لنا وأعطانا ما له.

ثالثًا: الصعود وعطية الروح القدس
قبل صعوده أوصى الرب التلاميذ ألا يبرحوا أورشليم حتى ينالوا موعد الآب.“لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي” (يوحنا ١٦: ٧). لذلك فالصعود مرتبط مباشرة بعيد العنصرة. فالمسيح صعد بالجسد، لكنه لم يترك الكنيسة، بل أرسل لها روحه القدوس ليسكن فيها.يقول القديس يوحنا ذهبي الفم:“اليوم صارت السماء أقرب إلى الإنسان، لأن رأسنا سبقنا إليها.”

رابعًا: الصعود دعوة للحياة السماوية
في عيد الصعود ترفع الكنيسة أنظار أولادها من الأرضيات إلى السماويات.“اطْلُبُوا مَا فَوْقُ حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ” (كولوسي ٣: ١). فالمسيحي الحقيقي يعيش على الأرض، لكن قلبه متعلق بالسماء. لا يستعبده العالم، ولا تنطفئ رجاؤه وسط الضيقات، لأنه يعرف أن له وطنًا أبديًا.

الصعود يعلّمنا:
* أن حياتنا ليست محدودة بالأرض.
* أن المجد يأتي بعد الصليب.
* أن المسيح فتح لنا باب السماء.
* أن الكنيسة تعيش بروح الرجاء والانتصار.

خامسًا: البعد الليتورجي في الكنيسة القبطية
في عيد الصعود تمتلئ ألحان الكنيسة بالفرح والانتصار، وتعيش الكنيسة لحظة استقبال الملك الصاعد إلى السماء. كما تصلي الكنيسة في القداس:“وصعد إلى السموات، وجلس عن يمين أبيه.” ويظل الشعب يعيش عشرة الأيام بين الصعود والعنصرة بروح انتظار حلول الروح القدس، كما عاش التلاميذ في العلية بقلب واحد ونفس واحدة.

تطبيقات روحية للشباب والخدمة
١- ارفع قلبك دائمًا

ليس المقصود بالصعود الهروب من العالم، بل أن تكون لك نظرة سماوية وسط العالم.

٢- لا تيأس مهما كانت الحرب
فالذي صعد غالبًا قادر أن يرفعك فوق الضعف والخطية.

٣- تمسك بحياة الصلاة
لأن التلاميذ بعد الصعود “كانوا كل حين في الهيكل يسبحون ويباركون الله” (لوقا ٢٤: ٥٣).

٤- عش برجاء السماء
المسيحية ليست مجرد وصايا، بل انتظار لقاء أبدي مع المسيح.

عيد الصعود هو عيد الإنسان الجديد الذي ارتفع في المسيح إلى حضرة الآب.

إنه عيد المجد بعد الصليب، وعيد الرجاء بعد الألم، وعيد السماء المفتوحة أمام البشرية.

فلنرفع قلوبنا مع الكنيسة قائلين: “أيها الرب الصاعد إلى السموات، ارفع قلوبنا إليك، واجعلنا نحيا حياة سماوية ونحن بعد على الأرض.