أكرم ألفي
فتح نجاح طه حسين في «مؤامرته» عام 1929، بتحقيق وعده لخمس فتيات بقبولهن في جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا)، الباب أمام تحولات جذرية في المجتمع المصري، تتجلى اليوم خلال النقاش حول قانون الأسرة الجديد.
ففي عام 1929، كانت جامعة فؤاد الأول قد أكملت عشرين عامًا على تأسيسها دون أن تضم بنتًا مصرية واحدة. وفي تلك السنة، تقدمت خمس فتيات من أبناء الطبقة البرجوازية — بينهن سهير القلماوي ونعيمة الأيوبي — بأوراقهن للانضمام إلى الجامعة، لكن طه حسين أقنع رئيس الجامعة وقتها، أحمد لطفي السيد، بقبول أوراقهن دون الإعلان عن ذلك، مع الالتزام بالصمت التام للحيلولة دون اندلاع معركة قد تنتهي بالهزيمة.
لكن «المؤامرة» تحولت إلى قضية عامة عبر استجواب قدمه عبد الحميد سعيد لوزير المعارف، احتجاجًا على صورة نُشرت لطه حسين مع الطالبات والطلبة، بزعم عدم احترام الشعور الديني والآداب العامة.
هذه المؤامرة، والمعركة الشهيرة التي صاحبتها، ذهبتا في طي النسيان، وتحولتا إلى مجرد جملة يكتبها البعض عند سرد تاريخ الجامعات المصرية. لكن ما حدث بعد نحو مئة عام تقريبًا هو أن دخول البنات إلى الجامعة دفع نحو تحولات دراماتيكية في المجتمع، ويبدو أن البعض كان نائمًا في الكهف ثم استيقظ اليوم ليراها، فيندهش ويرفع صوته في محاولة يائسة للعودة مئة عام إلى الوراء.
هذه المعركة حول تعليم البنات في الجامعة لم تتوقف، بل سعت التيارات المحافظة إلى تجنيد أصوات «نسائية» للهجوم على الظاهرة الجديدة. ففي عام 1936 بلغ عدد الطالبات في جامعة فؤاد الأول 200 طالبة، وتحولت «المؤامرة» إلى ظاهرة بين بنات الطبقة البرجوازية. وهنا شنت الطالبة عزيزة عباس عصفور، الطالبة بكلية الحقوق، هجومًا عنيفًا عبر الصحف على الاختلاط بين الطالبات والطلبة في الجامعة. لكن المعركة انتهت سريعًا، إذ كانت المعركة حول الاستقلال والمعاهدة مع البريطانيين أعلى صوتًا.
وفي ستينيات القرن الماضي، أصبح طريق بنات الطبقة الوسطى إلى الجامعة مفتوحًا، فبدأت الجامعات تشهد حضورًا قويًا للبنات، لكن نسبتهن من الطلبة لم تزد في أي وقت على 25%، أي ربع طلاب الجامعات والمعاهد العليا.
وفي نهاية السبعينيات، أصبح هذا الحضور أكثر ظهورًا، وإن لم يكن أكثر عددًا. وعندما بدأ التيار الإسلامي معركته للهيمنة على الجامعات، انتقل شعار الثلاثينيات من منع تعليم البنات في الجامعة إلى منع الاختلاط وفرض العزل بين الشباب والشابات داخل أسوار الجامعة، ومهاجمة أي أنشطة مختلطة.
ويبدو للبعض أن مدنية المجتمع تراجعت في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، مع تغير الصورة داخل الجامعة عبر فرض الإسلاميين والمحافظين لمنطقهم الخاص بمنع الاختلاط، وتحولات الزي السائد للبنات داخل الحرم الجامعي. لكن رغم هذا الانتصار الظاهري للإسلاميين، كانت الهزيمة تتعمق.
فقد ارتفعت نسبة البنات في الجامعات إلى نحو 35%. ومن بعيد، كانت صورة الجامعات توحي بانتصار التيار المحافظ، لكن في العمق كانت هزيمة هذا التيار أكبر مما تصوروا، إذ دخلت بنات الصعيد الجامعات للمرة الأولى بشكل واسع، وأصبح التعليم الجامعي الخيار الأول لبنات الريف في الوجه البحري، ولم يعد حكرًا على بنات المدن كما كان في الستينيات.
وفي عام 2013، أدرك الإسلاميون أن أحد أسباب هزيمتهم المدوية في معركة الاستيلاء على مصر كان تعليم البنات، إذ كانت طالبات الجامعات وخريجاتها قوة رئيسية في الحركة المناهضة للإخوان وحلفائهم. وقتها أدرك التيار الظلامي أن نجاح معركة «الاختلاط» كان نجاحًا مضللًا، بل كان في الحقيقة هزيمة.
واليوم، في عام 2026، وللمرة الأولى في تاريخ مصر الحديثة، أصبحت نسبة الطالبات في الجامعات والمعاهد العليا — وفقًا لآخر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء — نحو 49.7%، بل تتجاوز 51% في الجامعات الحكومية.
وهنا لا يدور الحديث عن جودة التعليم، فدخول الفتاة إلى الجامعة يمثل تحولًا نوعيًا، وليس مجرد استكمال «كمي» لمسيرتها التعليمية؛ إنه انتقال نحو التعرف على عالم أكبر من عالمها الصغير في قريتها أو مدرستها أو شارعها الضيق.
وعندما يتحدث أطراف الجدل حول قانون الأسرة الجديد، يتناسون أن تحولات جذرية قد حدثت في الواقع عبر مئة عام. ولأن الصدمة أكبر من توقعات أبناء التيار المحافظ، فقد بدأ البحث عن «عزيزة عصفور» جديدة، وكأن المعركة بين رجل وامرأة، لا بين واقع جديد تشكل عبر عقود طويلة من دخول البنات إلى الجامعة، وماضٍ ما زال يسكن عقول تيار يحلم بعودة «سي السيد» إلى الواقع، رغم أن نجيب محفوظ كتب نهايته مع بداية العهد الجديد لمصر.
وللحديث بقية.
نقلا عن المصرى اليوم





