بقلم الأب يسطس الأورشليمى
لقد كان لموت المسيح على الصليب أثر حزين مرير في نفُوس التلاميذ، بل أن أمه العذراء مريم جاز في نفسها سيف (لو35:2)، فقد استقطب الكثيرين بمثاله وبأحاديثه وبمعجزاته حتى اجتمعت القلوب حوله، ولم يكُن سهلاً عليهُم أن يروه هكذا مسجي في وسطهُم، وقد فارقهُم بالجسد بهذه السرعة المذهلة، وهُو الذي عمل أمامهُم كُل هذه الأعمال في سنوات ثلاث، ثم حزنوا أيضاً لأنه بعد أن أقام الموتى، وشفى المرضى، وأراح التعابى، كيف لا يُخلّص نفسه، وهُو قد خلّص الكثيرين؟!

وحزنوا أيضاً لأنه زرع فيهُم الإيمان والرجاء، كيف يُسلّم ذاته هكذا للموت، ويسمع بأذنيه كلمات التعيير، ويقبل على نفسه كُل الإهانات ثُم يموت ويُنطفيء فيهم السُراج الذي ظل مُشتعلاً هذه السنوات؟!

لقد تحول حُزن التلاميذ للأسف إلى جبن وخوف، حتى قبل الصليب، وبمجرد أن ألقوا القبض عليه في البستان، هربت من التلاميذ شجاعتهُم فتركُوه وحده وهربوا (مر50:14)، وحتى الشاب الذي تبعه وهُو لابساً إزاراً على عريه، فأمسكه الشبّان، فترك الإزار وهرب منهُم عُرياناً، وبُطرُس الذي قال له ذات مرة: أنت هُو المسيح ابن الله الحيّ، نراه في الساعات الأخيرة عند المُحاكمة يضعف ويجبن وينكر أنه يعرفه، بل ابتدأ يلعن ويحلف: إني لا أعرف هذا الرجُل الذي تقولون عنه، وغلبهُم الخوف والارتباك، فأغلقوا على أنفُسهُم في العلية (مر71:14؛ يو19:20)..

وفي حُزنهُم وخوفهُم نسوا كلامه والنبوات عن قيامته والمكتوب عنه حتى ذكّرهُم بها الرّب عندما التقى بهم في طريق عمواس، ولقد نسيت المريمات كلامه معهن وهو في الجليل، أنه ينبغي أن يُسلّم ابن الإنسان في أيدي أناسٍ خطاةٍ ويُصلب وفي اليوم الثالث يقوم، فلما بشرهن الملاكان بقيامته وبتحقيق ما سبق أن قاله لهن في الجليل تذكرن كلامه..

وهكذا ضاعت ذكرياته عن أحبائه بسبب الخوف، والحُزن، واليأس، لذلك لم يبق المسيح في قبره مماتاً ومدفوناً مدة أطول مما بقى فيه، فقام في فجر الأحد مُنتصراً على الموت (1كو55:15)..

لكن القيامة لم تكن مُجرد علاج لعواطف التلاميذ ومشاعرهم، لأنه إذا كان كُل من إيليا وأليشع قد أقام ميتاً في حياته، وقد صدقنا ما كُتب عنهما الوحي في ذلك (1مل17:17-24؛ 2مل22:4-35)، فلماذا لا نُصدق ما كتبه البشيرون بلسان الوحي عن المسيح أنه قد قام؟! 

راجع (مت6:28؛ مر6:16؛ لو6:24؛ يو15:20-17)..

إذا كان إليشع وهُو ميت في قبره قد أقامت عظامه ميتاً ألقوه على قبره وقام الميت حياً في الحال، بينما ظل النبي كما هُو جسداً ميتاً (2مل13)، فلماذا نستبعد على المسيح الذي قد أقام ليس ميتاً واحداً، بل موتى كثيرين خرجوا من القبر بعد قيامته ودخلوا المدينة وظهرُوا لكثيرين؟! 

ولماذا نستبعد عليه أن يُقيم ذاته هُو أيضاً حياً؟! 

يونان قد ألقى في بطن الحوت (ي17:1)، ومع أنه كان ممكناً للحوت أن يبتلعه ويسحقه، لكن الرّب نجاه وبعد ثلاث أيام قذفه الحوت إلى الشاطيء حياً، فكيف لا نُصدق أن المسيح الذي قبل بإرادته أن يُصلّب ويموت ويدفن، ونزل إلى الجحيم والهاوية ليُخلّص القديسين الراقدين الذين ابتلعهُم الموت إلى الفردوس مع اللص اليمين، كيف لا نُصدق أنه قادر أن يُقيم ذاته من الموت هُو أيضاً بعد ثلاثة أيام؟! (يو25:11)..

إذا كان المسيح في حياته قد أقام ابن أرملة نايين، وابنة يايرس ولعازر بعد أن أنتن وله أربعة أيام (لو11:7-17؛ 50:8-56؛ يو11)، فكيف لا نُصدق أنه يستطيع أن يُقيم نفسه، وهو الذي أعلن وقال لتلاميذه: أنا هُو القيامة والحياة، مَن آمن بي ولو مات فسيحيا؟! بل إذا كان الرُسل بُطرُس وبُولس وبعدهم أيضاً قديسون آخرون قد استطاعوا باسم المسيح أن يشفوا المرضى ويقيموا الموتى (أع36:9-43؛ 7:20-12) فهل لا نُصدق أن هذا الذي باسمه قيام الموتى، يُقيم ذاته من الموت؟!

يستحيل أن يكون للموت سُلطان عليه، لقد قال بُطرُس عنه: الذي أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت، إذ لم يكن مُمكناً أن يُمسك منه، كما أن المسيح قام تتّميماً للنبوات عن المسيّا الذي هُو الإله الحيّ إلى الأبد الذي لا يموت، قام ليُظهر لنا بالقيامة قوته وسُلطانه ولاهوته، وكما صُلب المسيح ومات ضعيفاً في نظر الناس كإنسان، فإنه قام من الأموات قوياً كإله..

قد قام ليُظهر لنا أن موته على الصليب ليس استسلاماً، بل تسليماً لمشيئة الآب، إلاّ أنه كان لابد أن يلحق به القيام من الأموات، حتى يُثبت لنا قوته السرمدية ولاهوته، لذلك يقول بُطرُس الرسُول: فليعلم يقيناً جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا، الذي صلبتمُوه أنتُم رّباً ومسيحاً (أع36:2)، قام لكي يُظهر لنا أن الموت لا سُلطان له على المُؤمن..

لقد قام ليُرينا أن القيامة هي الفرح والرجاء بالرّب، وكما أن اليقظة تلي النوم، هكذا أيضاً القيامة تلي الموت، لأن الموت عندنا نحنُ المسيحيين إنما هُو رقاد ونوم، لذلك نقول في أوشية الراقدين: لأنه ليس موت لعبيدك، بل هُو إنتقال، كما أن القيامة إنتقال وتحول لحياة أفضل (يو10:10)، فهُو قام ليُنقلنا من الظُلمة إلى النور، ويُعطينا تعزية ومعونة ودعماً لإيماننا ورجائنا، وإذا كان الموت يُشيع الفشل وقطع الرجاء، لكن القيامة تُشيع الأمل والرجاء في الإنسان، وكما قال أحدهم: حينما يُولد الإنسان يدخله الموت، وحينما يموت يدخل في الحياة الأبدية..