خالد منتصر
شاهدت فيديو لصاحب الطيبات يتفاخر فيه بأنه لم يطعم بنته، وإنها زي الفل، والأخطر أن التعليقات تشد على يديه وتشجعه، وبعد وفاته تكونت جروبات لتكملة مسيرته، والاستمرار في نشر الهلاوس والضلالات!! ولأنه مكتوب علينا أن نناقش البديهيات، ونعود إلى المربع رقم واحد في قضايا كنا قد حسبناها قد حُسمت، فسنحاول أن نعرض في هذا المقال أهمية تلك التطعيمات واللقاحات، لعل وعسى تسمع العقول التي في الغيبوبة، والتي لا تعاند إلا نفسها، وتدمر مستقبل أبنائها، سنعرض من واقع أوراق المجلات العلمية وإحصائيات منظمة الصحة العالمية، والتي ليست من بنات أفكارنا.
قبل أن تدخل تطعيمات الأطفال إلى حياة البشر، كان العالم يعيش تحت رحمة أوبئة تفتك بالأطفال كما لو كانت جزءاً طبيعياً قدرياً من رحلة الطفولة نفسها، كان الآباء ينجبون وهم يعرفون أن بعض أطفالهم قد لا يصلون إلى سن المدرسة، وسيرحل منهم حفنة مبكراً، لم يكن هذا تشاؤماً، بل واقع يومي في العالم كله، بفقرائه وأغنيائه، الحصبة، وشلل الأطفال، والدفتيريا، والسعال الديكي، والجدري، والالتهاب السحائي، أسماء لم تكن مجرد أمراض، بل كوابيس جماعية تغيِّر شكل المجتمعات وتملأ المقابر. قبل اللقاحات، كان الجدري وحده يقتل ما يقارب 30% من المصابين به، ويترك كثيرين بعاهات دائمة أو تشوهات مرعبة. في القرن العشرين فقط قُتل بالجدري نحو 300 مليون إنسان!!، أما شلل الأطفال فكان يزرع الرعب كل صيف، أطفال يدخلون إلى البحر أو المدرسة بأقدام سليمة ثم يخرجون بأجهزة حديدية أو يدخلون إلى «الرئة الحديدية» كي يستطيعوا التنفس، وكانت الحصبة تُعتبر ضيفاً على كل بيت، رغم أنها كانت تقتل ملايين الأطفال سنوياً حول العالم وتسبب التهاب دماغ وإعاقات دائمة لدى عدد كبير من الناجين.
ثم جاءت الثورة، والنعمة، واليد البيضاء الحانية للعلم، اللقاحات، هذه الثورة لم تأتِ بضجيج القنابل ولا بخطابات الزعماء ولا بدعوات المنابر، بل بحقنة صغيرة غيَّرت تاريخ البشرية أكثر مما فعلت حروب كاملة، منذ أول لقاح ضد الجدري الذي طوَّره Edward Jenner في نهاية القرن الثامن عشر، بدأ الطب يكتشف أن الوقاية يمكن أن تكون أقوى من العلاج نفسه. النتائج كانت مذهلة، وفق تقديرات World Health Organization وUNICEF، فإن برامج تطعيم الأطفال الحديثة تنقذ ما بين 4 إلى 5 ملايين إنسان كل عام من الموت المباشر بسبب أمراض يمكن الوقاية منها باللقاحات، وتشير دراسات عالمية حديثة إلى أن لقاحات الأطفال أنقذت منذ سبعينات القرن الماضي وحدها أكثر من 150 مليون طفل حول العالم، معظمهم قبل سن الخامسة، يكفي أن نتأمل ما حدث مع الجدري لندرك حجم المعجزة، في عام 1980 أعلنت World Health Organization القضاء الكامل على الجدري، ليصبح أول مرض بشري يتم محوه من الكوكب بفضل التطعيم.
تخيل، مرض قتل ملوكاً وفنانين وملايين البشر اختفى تماماً من الطبيعة، لم يعد هناك طفل يولد اليوم مهدداً بالجدري، لأن العلم انتصر، وشلل الأطفال قصة أخرى تكاد تشبه أفلام الخيال العلمي، أو رعب دراكيولا، ففي خمسينات القرن الماضي كانت المستشفيات الأمريكية وحدها تمتلئ بعشرات الآلاف من الأطفال المصابين بالشلل سنوياً. ثم جاء لقاح Jonas Salk وبعده لقاح Albert Sabin، فتحول المرض من رعب عالمي إلى مرض يقترب من الاختفاء الكامل. انخفضت الإصابات بأكثر من 99% عالمياً مقارنة بعصر ما قبل التطعيم، أما الحصبة، التي يعتبرها البعض اليوم مرضاً بسيطاً، فقد انخفضت وفياتها عالمياً بأكثر من 70% خلال العقود الأخيرة بسبب اللقاحات، وفي الدول التي تراجعت فيها معدلات التطعيم عادت الحصبة لتقتل من جديد، اللافت أن تأثير التطعيمات لم يكن صحياً فقط، بل حضارياً واقتصادياً ونفسياً أيضاً، قبل اللقاحات كانت العائلات تعيش في قلق دائم من فقدان الأطفال.
المدارس كانت تتحول إلى بؤر عدوى، المدن تُغلق بسبب الأوبئة، والأطباء أنفسهم كانوا عاجزين أمام أمراض لا علاج لها، أما بعد انتشار التطعيمات، فقد ارتفع متوسط العمر المتوقع، وانخفضت وفيات الأطفال بشكل هائل، وأصبح بإمكان المجتمعات أن تستثمر في التعليم والعمل بدلاً من مطاردة الكوارث الوبائية، لقد غيَّرت اللقاحات مفهوم الطفولة ذاته، الطفل الحديث يولد في عالم أكثر أماناً بكثير من العالم الذي عاش فيه أجداده، كثير من الناس اليوم لا يرون أطفالاً مشلولين بسبب شلل الأطفال، ولا وجوهاً ممزقة بالجدري، ولا أجنحة كاملة في المستشفيات مخصصة للدفتيريا، ليس لأن هذه الأمراض كانت خرافة، بل لأن اللقاحات نجحت إلى درجة جعلت البشر ينسون الرعب القديم، اللقاحات لم تمنح البشرية مجرد حماية من أمراض معدية، بل منحتها شيئاً أعمق، منحتها فرصة أن يعيش ملايين الأطفال حياة كاملة كان المرض قد سرقها منهم، وكتب عليهم أن يقفوا على محطته ينتظرون الموت في أي لحظة.
نقلا عن الوطن





