يوسف إدوارد
المفروض أن الذوق العام والآداب العامة والحياء العام مفاهيم واضحة وطبيعية في أي مجتمع، طبعًا على حسب التركيبة الثقافية لطبقاته والبنيان الفكري والتراث الديني... إلخ. السؤال هنا: هل هذه المفاهيم قابلة للضمور والنمو وإعادة التعريف بسبب مؤسسات التنشئة الاجتماعية والأنظمة السياسية والنخبة الثقافية والإعلام والسوشيال ميديا.. أم أن المزاج الجماهيري وحده هو صاحب السلطة هنا؟أظن أن معايير الذوق والآداب والحياء العام كانت خلال عصر طويل أكثر استقرارا على عكس اليوم الذي تتحرك فيه بسرعة بقدر من العشوائية، بدليل أن ما كان محرجا بالأمس أصبح عاديًّا اليوم، بجانب تضخم دور الإعلام والمنصات والبلوجرز بتشجيع رأس المال والمزاج الجماهيري، وبالتالي لم يعد الذوق يتشكل بشكل طبيعي كما كان بل أصبح يُدار مثل السوق بالضبط، وهناك ما يتم دفعه وما يتم تسويقه وما يعاد تقديمه واستهلاكه حتى يتحول بالتدريج من الاستفزاز إلى الاعتياد، ومن الاعتياد إلى القبول، ثم الدفاع عنه باعتباره نموا وتطورا طبيعيا.

المشكلة هنا أن التحوّلات لم تعد بطيئة كما كانت في المجتمعات السابقة، بل أصبحت لحظية وسريعة وعابرة للمجتمعات والطبقات والتركيبات الشعبية في أي مشهد أو لغة أو سلوك أو نمط حياة يمكن أن يتحول، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال أي (إفيه) واحد يخاطب المزاج العام للمصريين ويحقق أعلى مشاهدات خلال ساعات، يتحول الى مادة جماهيرية «الترند»، ويكون مقبولا ومرغوبا فيه للتقليد من الجميع وفي جميع المواد المرئية، من إعلانات، ونمط حياة نجوم السينما والرياضة والأفلام والمسلسلات، ومع جميع أبطال الشارع، وهذا يعكس سيطرة المنصات الرقمية على الوعي اليومي للناس. وبكل وضوح، لم تعد الأسرة أو المدرسة أو المؤسسة الدينية هي المصدر الوحيد لتشكيل الحس الأخلاقي بصفة عامة والذوق والآداب والحياء بصفة خاصة، بل أصبح مزاج الجماهير العامة والشاشة الصغيرة هم أصحاب المقبول والجميل واللطيف.طبعًا المفروض أن يُستخدم الحياء العام لحماية المجتمع عمومًا، ولكني أتصور أنه يُستخدم أحيانًا كشعار انتقائي وتمييزي ضد طبقات أو جماعات معينة، حتى أصبح هناك اشتباك حقيقي بين حماية الأخلاق وفرض الوصاية، وأحيانًا يتم التعامل مع الحياء العام باعتباره أداة للفرز الاجتماعي أكثر من كونه قيمة أخلاقية، فيُطبق على فئات دون غيرها، أو يتم استدعاؤه فقط عندما يتعلق الأمر بسلوكيات بعينها، بينما يتم التغاضي عن صور أخرى من الانحدار أو الابتذال لأنها محمية بالشهرة أو النفوذ أو المصلحة بمفهومها النفعي.وسائل التواصل الاجتماعي غيَّرت الإيقاع الأخلاقي بالكامل من خلال التجاوز والصدمة والأزمة والمشكلة، وأصبحت المادة الرئيسية لأي منتج مرئي، وكلما تراجعت الدهشة، احتاج المحتوى إلى تجاوزٍ أكبر حتى يحافظ على انتباه الجمهور، وهنا تتحول الصدمة إلى صناعة، مثل أحد أشهر برامج الكاميرا الخفية، ويتحول كسر الحدود إلى وسيلة جذب أساسية، و لم يعد المطلوب فقط لفت الانتباه بل الاحتفاظ به بأي طريقة ممكنة حتى لو كان الثمن هو إعادة تشكيل الحس العام نفسه.وغالبا ما يغضب المجتمع من كشف ومواجهة ما يفعله العامة، لا من الفعل نفسه، بل من عدم القدرة على مواجهته.. طبعًا من خلال مؤسساته. وهناك أحيانًا حالة من الإنكار الجماعي.

الجميع يعرف ما يحدث، لكن الأزمة تبدأ حين يصبح ما يحدث ظاهرا ومعلنا ومتاحا للجميع بلا ستار، وهنا يتعامل المجتمع مع الانكشاف باعتباره الخطر، لا مع أصل الظاهرة نفسها، لذلك يبدو أحيانًا أن المعركة ليست ضد الانحدار، بل ضد رؤيته علنًا.يمكن التأكيد اليوم على أن كسر الذوق والأدب والحياء العام أقل خطورة من ضموره؛ لأن الكسر واضح ويمكن مقاومته، أما الضمور التدريجي فيُغير الحساسية الاجتماعية ببطء حتى يعتاد الناس ما كانوا يرفضونه.

الأخطر ليس الصدام المباشر، بل التنازل المهضوم الذي يحدث عبر التكرار والتعوّد وإعادة التقديم المستمر، فالمجتمعات لا تفقد حساسيتها دفعة واحدة لكنها تتنازل عنها تدريجيًا حتى يصبح الاعتراض نفسه شيئا غريبا أو مبالغا فيه.أخطر ما يحدث للمجتمعات ليس سقوط الذوق والأدب والحياء، بل إعادة صياغته ودمجه بهدوء حتى تختلط الحريات والمعاني كلها بالابتذال وفقدان المعنى، حينها لا يعود المجتمع قادرا على التمييز بين الحرية والذوق والانحدار.. وهنا تحديدًا تبدأ الأزمة الحقيقية، ليس حين يُكسر الحاجز بل حين يختفي أصلًا دون أن ينتبه أحد.
نقلا عن المصرى اليوم